قصص مثيرة ليهود خدموا ملوك المغرب عبر التاريخ - تيلي ماروك

يهود - ملوك المغرب قصص مثيرة ليهود خدموا ملوك المغرب عبر التاريخ

قصص مثيرة ليهود خدموا ملوك المغرب عبر التاريخ
  • 64x64
    تيلي ماروك
    نشرت في : 22/12/2020

مهما حاولنا الوقوف عند أسماء اليهود المغاربة، الذين عاشوا في القصر الملكي وظلوا متمسكين بعرى الوفاء للعرش، فإننا لن نتمكن من حصر اللوائح بسبب توغلهم أولا في عمق تاريخ المملكة الشريفة ولتعدد وظائفهم وتنوع خدماتهم ومسؤولياتهم، لكنهم ظلوا أوفياء للعرش يصرون على أداء واجبهم المهني بروح المسؤولية، وحتى حين غادر اليهود المغرب عائدين إلى أرض الميعاد، أو اختاروا الاستقرار في دول أخرى فإن مساحة العشق للوطن الأصلي ظلت محجوزة في قلوبهم، بل إن اليهود المغاربة الذين يحتلون مناصب سامية ومسؤوليات جسيمة في دول أخرى لا يترددون لحظة في ترديد «منبت الأحرار»، ومساندة بلادنا في كثير من المواقف السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

تبوأ العديد من اليهود المغاربة مناصب عليا في سلالم الوجاهة، وفي محيط سلاطين الدولة العلوية كان لهم حضور مؤثر، بل وشكلوا جزءا أساسيا من مكونات الهوية المغربية. يقول الكاتب الأمريكي «شيدور»، مؤلف كتاب «يهودي السلطان»: «لا يوجد بلد في العالم الإسلامي، احتل فيه الوسطاء اليهود مكانة جد مهمة، كما هو الشأن في المغرب»، كما تجمع الكتابات التي تؤرخ للوجود اليهودي بالمغرب على الدور الحيوي لهم داخل المنظومة الاقتصادية للبلد، وذلك لتمتعهم بالخبرة اللازمة لاحتراف التجارة والسياسة والفن والنجاح فيهم.

في هذا الملف نسلط الضوء على شخصيات تركت بصماتها في مغرب يسكن وجدانها، أسماء عرفت بحسها المهني وجديتها وهي في فلك الدوائر العليا، سواء أكانت تمارس السلطة أو تقدم خدماتها للملوك كل من موقعه، علما أن التاريخ المغربي يشهد لهذه الفئة بالأمانة والولاء ما أكسبها ثقة القصر، ومكنها من اختراق أكبر الحواجز. ولأن عددهم كبير ويستحيل حصره في ملف، فإننا سنتوقف عند يهود عايشوا الملوك الثلاثة محمد الخامس والحسن الثاني ثم محمد السادس، وسنستحضر القول المأثور للحسن الثاني حين قال: «عندما يغادر يهودي مغربي بلده، نفقد مقيما، ولكننا نربح سفيرا».

أندري أزولاي.. يهودي أمازيغي ومستشار لملكين

يعتبر أندري أزولاي نموذجا للتعايش الرفيع الذي ميز لقرون طويلة العلاقات بين المسلمين واليهود في المغرب، في المربع الملكي شغل الرجل منصب مستشار الملك في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وهو المنصب الذي استمر في شغله في عهد الملك محمد السادس.

ولد أندري أزولاي في مدينة الصويرة عام 1941، وسط عائلة يهودية من أصول أمازيغية، وهو يفتخر بهذا الانتماء ولا يفوت الفرصة للإشادة بيهوديته ومغربيته وأمازيغيته، بل إن والده كان من المقاومين المغاربة الذين وقفوا في وجه الاستعمار الفرنسي ودعم الحركة الوطنية، ومن أجل مواقفه أعفي من منصبه في السلطة الاستعمارية.

يدين أزولاي للمغرب، ففيه درس ومنه انطلقت أحلامه لتحلق في سماء الجامعات الفرنسية، وحين عاد إلى وطنه أصبح مستشارا للملك الحسن الثاني واستمر في المنصب ذاته مع الملك محمد السادس، وحين سئل عن السر في استمراره في المربع الملكي مع ملكين، قال: «هذه المسؤولية إشارة حداثة وإنسانية وسمو يبعث بها المغرب إلى الآخرين»، مضيفا أن دور المستشار ليس تنفيذيا، بل التفكير والاقتراح.

أسس المستشار الاقتصادي في عام 1992، جمعية «الصويرة موغادور»، أملا في «تعزيز انصهار وتمازج الثقافات والأديان»، وخاض معارك في ساحة حوار الحضارات والديانات، وهو المسار الذي قررت ابنته أودري أزولاي، التي انتخبت في 2017 مديرة عامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، الاستمرار فيه.

حين قام الملك محمد السادس، في منتصف يناير الماضي بزيارة إلى الصويرة وخلال افتتاح «بيت الذاكرة» بالمدينة العتيقة، أعطى إشارات قوية على العناية الخاصة التي يوليها أمير المؤمنين للموروث الثقافي والديني للطائفة اليهودية المغربية، وإرادته الراسخة في المحافظة على ثراء وتنوع المكونات الروحية للمملكة وموروثها الأصيل.

كان أزولاي وابنته والحاخام الأكبر للدار البيضاء في طليعة مستقبلي الملك ببيت الذاكرة، وقال أندري: «إنه يوم تاريخي يحمل بصمة مغربنا العريق الذي تمكن من الحفاظ على التنوع الكبير».

سيرج بيرديغو.. صديق البصري يجمع بين الوزارة ورئاسة الطائفة

بعد استقالة دافيد عمار من منصبه على رأس الطائفة اليهودية المغربية وقراره الانتقال إلى فرنسا، ناب عنه يهودي مغربي من مواليد مدينة مكناس يدعى سيرج بيرديغو، بعدما نال موافقة القصر الملكي. هنأ الحسن الثاني سيرج بالمهمة الجديدة واعتبره الرجل المناسب للمنصب، الذي سيقربه أكثر من المحيط الملكي، سيما وأن التقرير الذي قدمه وزير الداخلية إدريس البصري في شأنه كان إيجابيا، ولا يحمل ملاحظات تستدعي التريث.

رد بيرديغو بأن السر الذي جعل وضعية اليهود المغاربة أفضل من نظيراتها في العالم، يكمن في وجود مؤسسة «أمير المؤمنين»، والملك هو أمير المؤمنين وليس أمير المسلمين، ولذلك هو يتحمل مسؤولية كبيرة جدا تجاه اليهود ويحمل على عاتقه واجب حمايتهم، وهو ما يفسر هذه العلاقة الأخوية بين ملوك المغرب ويهود المغرب»، مشيرا إلى أن أحد رجال الدين اليهود بالمهجر في عهد الملك الحسن الثاني أخبره أن «قبور الصالحين التي يحملها المغرب، تجعل منه أرضا مقدسة».

دار جدل واسع في الأوساط اليهودية والمغربية، حين شغل سيرج بيرديغو منصب وزير السياحة في الفترة ما بين سنتي 1993 و1996، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وقيل إن رئيس الطائفة كان متيما بمسار يهودي سابق اسمه بنزاكين سبق أن شغل منصب وزير للبريد، وذهب بعض أفراد الطائفة إلى حد الكشف عن وجود علاقة ود بين البصري وبيرديغو. وقال اليهودي المغربي بيير أصراف، أحد رجال المال والأعمال، في حوار صحفي، إن تعيين سيرج شكل نقطة خلاف في وسط الطائفة اليهودية، وقال لبيرديغو: «لا يمكنك أن تكون رئيسا للجالية اليهودية بالمغرب ووزيرا في الوقت نفسه. عليك أن تعين شخصا للنيابة عنك في موقع رئاسة الجالية اليهودية، وعندما تنتهي من الوزارة تعود إلى مكانك... فرئاسة الجالية ليست منصبا مهنيا شخصيا».

حين تعرض فندق أسني بمراكش لهجوم إرهابي كان سيرج حينها وزيرا للسياحة، فأعفي الرجل من مسؤولياته وعاد إلى مكتبه في مقر الجالية اليهودية.

دافيد عمار..غرق باخرة «إيكوز» يقربه من القصر

حينما غرقت باخرة «إيكوز» التي كانت تحمل ثلاثين يهوديا كانوا في طريقهم إلى إسرائيل، بعدما رمت بهم رياح هوجاء في قعر البحر الأبيض المتوسط قبالة شاطئ الجبهة سنة 1961، كان دافيد عمار أول من أشعر السلطات المغربية بالواقعة، فهرعت مراكب مغربية وإسبانية لإنقاذ الضحايا، لكن بعد فوات الأوان، فقد غرق الجميع ولم يتم العثور إلا على 22 جثة من ضمنها 16 لأطفال، فيما لاذ طاقم الباخرة بالفرار بعدما ركبوا مركب إغاثة.

في ظل هذه النكبة نظم أول لقاء لولي العهد الحسن الثاني، مع دافيد عمار بعدما تعذر على محمد الخامس وهو في آخر أيامه حضور اللقاء، الذي تابعه الرأي العام اليهودي في مختلف دول العالم، خاصة بعد أن شهدت أحياء الملاح في ربوع المغرب حالة حداد ووضعت على أبوابها ملصقات سوداء.

استقبل ولي العهد آنذاك وفدا مكونا من الدكتور ليون بنزاكين، الوزير السابق للبريد وصديق الملك محمد الخامس، ودافيد عمار الذي كان حينها رئيسا للطائفة اليهودية بالمغرب، وكذلك كبير الخاخامات دافيد ماساس، وقد طلب هذا الوفد من ولي العهد رخصة إقامة مراسيم جنازة المفقودين في فاجعة الباخرة، حسب طقوس الديانة اليهودية. وافق ولي العهد شريطة أن يكون عدد الحاضرين للجنازة محدودا جدا، وتم دفن 22 ضحية بمقبرة الحسيمة. ووافق الأمير على جعل 14 دجنبر يوم حداد، ظلت تحتفي به الطائفة اليهودية بإسرائيل إلى الآن.

ظلت العلاقة بين دافيد عمار، رئيس الطائفة اليهودية المغربية، والحسن الثاني سمنا على عسل، وتحول اليهودي من صديق إلى مستشار مالي، قبل أن يقترح عليه الملك منصبا في مجموعة «أونا» الاقتصادية، فوافق على الفور خاصة وأن رجل الأعمال اليهودي دافيد كان يدير شركة لبيع الحليب، قبل أن تقتنيها «أونا». عين دافيد عمار متصرفا منتدبا، وكان مكلفا بالتسيير تحت إدارة المدير العام لمجموعة «أونا»، لكنه عمليا كان الرجل الأول في هذه المؤسسة الاقتصادية الكبرى، التي كان الأمير مولاي علي على رأسها، قبل أن يرحل إلى دار البقاء.

تغيرت أحوال دافيد بعد أن رفض ابنه الاستقرار في المغرب وفضل الهجرة إلى فرنسا، حيث ظل الأب يقضي نصف الأسبوع في باريس، وحسب روبير أصراف، القيادي اليهودي البارز ورجل الأعمال المقرب من القصر، فإن عمار «لم يستطع فراق ابنه لأنه كان يساعده في الكثير من الأعمال».

رفائيل بوطبول.. خياط ومستشار سياسي

حين تولى الحسن الثاني الحكم توطدت صلاته مع الخياطين اليهود، فقد ورث عن والده محمد الخامس خياطه حاييم بوطبول، الذي كان يعاني من قصور كلوي مزمن، تدهورت على إثره حالته الصحية، الشيء الذي سيؤدي إلى صعود نجم ابنه رفائيل، الذي كان هو من يعد الألبسة التي يجلبها من أندونيسيا وماليزيا وبريطانيا، ويباشر إعداد قاعات الاستقبال والإقامات، ومن ثم نسج، هو الآخر، علاقة عميقة مع الملك، لدرجة أن هذا الأخير كان قد خاطب عائلة رفائيل إثر مماته سنة 1966 بالقول: «فقدتم أبا وزوجا، أما أنا فقد فقدت أخا».

يتحدث الباحث سعيد عاهد عن فترة ما بعد رحيل الخياط بوطبول، «بعد وفاة رفائيل رغب الحسن الثاني في أن يتولى روجي، ابن الفقيد، الخدمة نفسها، وقد استجاب الابن للرغبة الملكية رعاية للإرث المشترك بين الطرفين، علما بأنه كان يرغب في متابعة دراسته الجامعية في الإعلاميات. وبذلك واصل روجي مهامه الموكولة إليه شخصيا من طرف الحسن الثاني، بما فيها التكلف بمقتنيات الأسرة الملكية من باريس وروما امتدادا إلى الصين».

وحسب شهادات يهود عاشوا مع بوطبول مساره كخياط، فإن هذا الأخير كان سليل أسرة يهودية استوطنت فاس، قبل أن تصبح لها فروع في الرباط والدار البيضاء على الخصوص، لم يكن بوطبول مجرد خياط يهتم بمقاس الملك ويتابع ما يحفل به عالم الموضة، بل كان له دور حاسم في الكثير من قرارات المرحوم الحسن الثاني، حتى وصف بـ«مستشار الظل»، الذي كان يلجأ إليه الملك لأخذ رأيه في الكثير من الأمور، بعيدا عن مجال الخياطة.

في كتاب «خياطو الملك» يكشف المؤلف عن الجانب السياسي للخياط، «كان أكثر من مجرد خياط، فقد كان الملك يلجأ إليه في الكثير من الأمور، إذ تجاوز دوره دور الخياط ليشمل دور الخبير في العلاقات العامة، وكان الحسن الثاني لا يتردد في الرجوع إليه في طلب المشورة والنصح في مختلف القضايا».

لكن أجمل ما جاء في تقديم الكتاب من طرف الباحث محمد الناصري، هو شهادته في حق الخياط، حين قال: «كان خياطا بارعا للتواصل الاجتماعي والإنساني، وبارعا في نسج العلاقات بين ذوي النيات الحسنة».

بعد وفاة بوطبول عين اليهودي مايير واكنين في المنصب ذاته، وظل لسنوات يسعى إلى أن يكون خير خلف لخير سلف، حيث حرص على اتباع نفس أسلوب عمل سابقيه، لكن سرعان ما انتهت علاقته بالقصر، بعد أن ظهر في محيط الملك مصمم أزياء إيطالي.

مسعودة.. المكلفة بالإشراف على صحة وهندام لالة ياقوت

كان الوجود اليهودي داخل القصر الملكي لافتا للأنظار، في عهد الملك الراحل محمد الخامس، حيث لعبت مسعودة دور مرافقة لالة ياقوت، أم الحسن الثاني. بدأت هذه السيدة اليهودية حياتها داخل القصر، كخادمة مهتمة بكل ما يتعلق بزوجة الملك محمد الخامس. لم تكن مسعودة مجرد مرافقة فقط، فقد كانت مستشارة في شؤون الحريم.

دخلت مسعودة إلى القصر رفقة والدها إبراهيم ساسون الخياط، وكانت ترافق جدة الحسن الثاني بقصر فاس، ثم مكناس، وتحيط باستمرار الراحل محمد الخامس بمستجدات الوضع الصحي لأمه، فيما كان هو يسأل عما إذا كانت تحظى بالعناية اللائقة.

طلب محمد الخامس من مسعودة تركيز اهتمامها على زوجته، كان «يطالب بمراقبة شبه دائمة لحميتها الغذائية وتناولها للأدوية»، كانت من أهم وظائفها أيضا أن تجعل لالة ياقوت تفقد وزنها، بعد أن نصحها الطبيب اليهودي بذلك. «كانت مهمتها تقتضي أن تلتزم لالة ياقوت بمواعد تناول الدواء، ومواعد زيارة الطبيب والحمية التي حددها الطبيب، بل إنها عاشت اللحظات الأخيرة من حياة جدة الملك الحسن الثاني».

اتفق معها السلطان محمد الخامس على الاشتغال ستة أيام في الأسبوع، وأن يكون يوم السبت يوم راحة، كان الاتفاق يقضي براتب شهري، وكيس دقيق يسلم كل شهر، ويحمل من طرف العبيد إلى منزلها، دون أن تضطر إلى حمله بنفسها. تفانيها في العمل جعلها تحظى بامتيازات خاصة من طرف السلطان، فوهبها رخصة لمحل بيع السجائر والدخان، وأخرى لسيارة أجرة.

جلبت مسعودة إلى القصر شقيقتها عائشة، ومدت لها جسور التقارب مع حريم القصر، وكانت ترتدي الحجاب بإلحاح من لالة عبلة، زوجة السلطان محمد الخامس. بل إن عائشة كانت عارفة بتاريخ وجغرافية المغرب، فتحولت إلى مدرسة للحريم.

لعبت مسعودة دورا كبيرا في الكشف عن أسرار ملابس السلطان مولاي عبد العزيز وبعده محمد الخامس، بل إنها كانت وراء حكاية ميلاد كتاب: «خياطو السلاطين»، الذي ترجم إلى اللغة العربية. تقول بعض الروايات إنها كانت تنقل شفويا لابن أخيها اليهودي، ألبير ساسون، تفاصيل ما يحدث في الكواليس. نال ألبير لقب «حفيد خياط ستة ملوك»، ثم كانت مسعودة بطلة الرواية بامتياز.

حتى يوم موت أم سيدي الياقوت، كانت اليهودية مسعودة هي المشرفة على شؤونها، وكاتمة أسرارها التي لم تخرج إلى اليوم، ويذكر أعضاء البعثة التي توجهت إلى انتسيرابي سنة 1954، وعلى رأسها باشا مكناس المختار الذي عينه الفرنسيون بدل الباشا الجنان، توجهوا إلى انتسيرابي لتهنئة الملك محمد الخامس بميلاد الأميرة لالة أمينة، وعندما استقبلهم الملك المنفي، كان أول سؤال له بعد الاستفسار عن حالة أمه، هو السؤال عن رفيقتها اليهودية مسعودة، وهل بقيت مرافقة لأمه؟

ليون بن زاكين.. الطبيب المشرف على أسلاك البريد

كان ليون بن زاكين، الطبيب المغربي اليهودي، الأجدر بأن يعين وزيرا للصحة في أول حكومة بعد الاستقلال، نظرا لكفاءته الطبية، لكن ذلك لم يحصل إلا في التعديل الحكومي الذي مس الحكومة المغربية سنة 1956.

يعد ليون واحدا من أشهر الأطباء الذين عرفهم المغرب، ولد في طنجة في آخر يوم من سنة 1928، حيث كان من مؤسسي الرابطة اليهودية. سينطلق الطبيب إلى داخل دواليب العمل السياسي المغربي، بطريقة رتبتها له الظروف والصدف، ليحصل على وضع اعتباري جيد في مغرب الأربعينات وبداية الخمسينات. وعندما حصل المغرب على الاستقلال، تم تعيينه وزيرا للبريد والمواصلات، ثم أصبح وزيرا للصحة، وهو المجال الذي يناسبه، واستمر فيه إلى حدود سنة 1958، كما شغل منصب طبيب الملك محمد الخامس، وقد كان من بين الأطباء المقربين منه ومن عدد من الوزراء والشخصيات العمومية في مغرب الخمسينات.

تقول الروايات إن ابن زاكين كان واحدا من الوجوه اليهودية المغربية، المطلوبة لتعزيز حضور اليهود في المرحلة الجديدة من بناء المجال السياسي للبلاد بعد الاستقلال، خصوصا أنه كان يهوديا غير عادي، جمع بين الطب والعمل الإنساني، باعتباره من مؤسسي الرابطة اليهودية بشمال المملكة.

أصيب بن زاكين بمرض مفاجئ، فتم نقله إلى فرنسا لتلقي العلاج على يد أحد الأطباء اليهود في باريس، هناك تبينت إصابته بالتهاب رئوي بسبب إدمانه على التدخين، وهو ما تطلب منه غيابا عن المشهد السياسي وعن اجتماعات حكومة البكاي، وحين علم الملك محمد الخامس بالأمر وهو في باريس، قرر عيادته، مما أدخل السرور على ليون، الذي كتب عن هذه الزيارة واعتبرها بلسما لمعاناته الصحية.

قرر الملك تحمل الدولة المغربية نفقات علاج وزيره، وظل يحثه على القطع مع السجائر، التي كانت جزءا من آلامه. وقال له مازحا: «كيف سيكون موقف طبيب مدمن على التدخين، وهو ينصح زبائنه بالإقلاع عن هذه العادة المضرة؟».

لكن حظ بن زاكين كان عاثرا، إذ إن وفاة محمد الخامس قد حالت دون بقائه ضمن التشكيلة الحكومية، بداية الستينات، خصوصا وأن علاقاته الوطيدة مع بعض المنظمات اليهودية خارج المغرب وخارج إسرائيل أيضا، جعلته يختار مغادرة المغرب. لأن الظروف السياسية التي مرت منها منطقة الشرق الأوسط، انعكست على الوجود اليهودي بالمغرب، ولم تعد ظاهرة استوزار اليهود في الوزارات والدواوين إلا سنوات الثمانينات، وكان بن زاكين قد رحل عن الدنيا قبلها وتحديدا سنة 1977.

باروخ شريكي.. حلاق مشاهير هوليوود يصبح حلاق الملك

ولد باروخ شريكي في الدار البيضاء، واشتغل في شبابه بأحد أكبر محلات الحلاقة في العاصمة الاقتصادية، قبل أن يغادر المغرب صوب الولايات المتحدة الأمريكية، حيث فتح صالونا للحلاقة في هوليوود، تردد عليه كبار نجوم السينما.

قبل أن يصبح باروخ حلاقا شخصيا للملك الراحل الحسن الثاني، زاره في محله الأمير مولاي عبد الله الذي أثنى عليه، خاصة وأن الحلاق كان يتحدث باللهجة الدارجة المغربية، «بعد فترة وجيزة تلقى شريكي من الأمير مولاي عبدالله دعوة لحضور حفل عيد ميلاد الملك الحسن الثاني، فلبى الدعوة، وبعد أيام معدودة تلقى طلبا من الملك شخصيا بأن يأتي لحلاقة شعر رأسه، ما ولد لدى باروخ نوعا من الانفعال الشديد وشعر وكأن يديه ترتعشان»، حسب قوله في حوار صحفي نشر فقراته أحد المواقع التابعة للخارجية الإسرائيلية، والذي أضاف أن حلاق ملك المغرب ما زال يعيش في شمال إسرائيل بعيدا عن الأضواء.

وقال الموقع سالف الذكر إن «الحلاق دهش لكرم الملك البالغ وسخائه، حيث قدم له قطعا ذهبية أجرة عمله، باعتبار أن هذه المرة الأولى التي يحلق فيها للملك». عاد شريكي بعدها إلى الولايات المتحدة لاستئناف عمله. وبعد ثلاثة أشهر، تلقى عرضا ليصبح الحلاق الشخصي للملك، فلبى الطلب.

من جهته، قال موقع «ماينت» الإسرائيلي إن علاقة باروخ بالحسن الثاني تطورت شيئا فشيئا من علاقة مهنية إلى صداقة، حيث كان يلعب الغولف مع الملك، ويرافق حاشيته عند خروجه للصيد وكان يتمتع بامتيازات عديدة.

وحسب الصحيفة ذاتها، فإن الحلاق تجرأ قبيل زفافه وطلب استخدام إحدى سيارات القصر في نقله رفقة عروسه، وعندما أعاد شريكي السيارة، جازاه الملك بإهدائها إليه. وبعد وفاة الملك الحسن الثاني في سنة 1999، قرر الحلاق القدوم إلى إسرائيل، حيث استقر فيها وله أربعة أبناء.

ماكس كوهين.. ملاكم يهودي يحمل قميص المنتخب بأمر ملكي

في باريس توجد قاعة للملاكمة باسم ناسيم ماكس كوهين، وفي حيفا ومدن إسرائيلية يحمل أكثر من مركز تكوين اسم هذا البطل البيضاوي، الذي قضى في المغرب أزيد من عقدين من الزمن، قبل أن يرحل إلى باريس ويعيش بين فرنسا والمغرب وإسرائيل.

ولد الفتى ماكس في يناير 1942 داخل أسرة يهودية مغربية، نشأ في زنقة ورتينتون بالدار البيضاء، وسط بيت يحكم فيه الأب القبض على تحركات ابن مشاكس يعيش بين ست أخوات. منذ طفولته انجذب ماكس نحو كرة القدم، حيث مارسها مع فرق الحي، قبل أن يلتحق بناد للملاكمة في المدينة القديمة.

لفت كوهين نظر عشاق الملاكمة، في الفترة الذهبية لهذا النوع الرياضي، وحصل على بطولة المغرب في كل الأوزان التي مارس بها الفن النبيل، وبدأ صيته يصل إلى ربوع الوطن مباشرة بعد حصول المغرب على استقلاله، حتى انضم إلى المنتخب المغربي باعتباره مغربي الجنسية.

كان الملاكم العالمي المغربي الأصل ماكس كوهين، صديقا للملاكم الأسطوري محمد علي كلاي، ويرجع إليه الفضل في تنظيم الزيارة التاريخية التي قام بها الملاكم العالمي الراحل إلى المغرب يوم 29 يوليوز 1972، بدعوة من الملك الحسن الثاني، وكان في طليعة مستقبليه في مطار «النواصر» إلى جانب أرسلان الجديدي، وزير الشغل والشبيبة والرياضة، ومحمد التبر، رئيس الجامعة الملكية المغربية للملاكمة. وظل مرافقا لمحمد علي، طيلة فترة إقامته في المغرب. علما أن ماكس خاض سنة 1961 نزالات البطولة العربية بالدار البيضاء، بقميص المنتخب المغربي وحاز على ميدالية ذهبية، سلمت إليه من طرف الملك الحسن الثاني، وكاد هذا اللقب أن ينسف التظاهرة بعد اعتراض مصر على كوهين وتهديدها بالانسحاب من الدورة، اعتبارا لديانة الملاكم وليس لجنسيته.

بعد مرور عام على هذه الواقعة، قرر ماكس مغادرة المغرب صوب فرنسا، بعد أن توصل بعرض للاحتراف في هذا البلد، علما أن عرضا آخر من الولايات المتحدة الأمريكية قد طرق بابه، وفي باريس بدأت مسيرة البطل المغربي حيث نال بطولة العالم، وحمل على كتفيه العلم المغربي، وظل يتردد على القصر كلما حل الحسن الثاني بفرنسا.

بعد اعتزاله الملاكمة كتب كوهين سيرته الذاتية في مؤلف يحمل عنوان: «نجمة في القبضة»، يروي فيه قصة علاقته مع القفاز، وهو الكتاب الذي قام بتقديمه الممثل السينمائي الفرنسي جان بول بيلموندو.

سامي المغربي.. مطرب يهودي ومستشار فني لمحمد الخامس

اسمه الحقيقي سالمون أمزلاج، لكن الاسم الفني «سامي المغربي» سيطر على الاسم المدون في الوثائق الرسمية. ولد في مدينة آسفي وعاش بين سلا والرباط ثم الدار البيضاء، قبل أن يرحل إلى مونتريال الكندية.

كان زير نساء، رغم أنه تزوج مبكرا من أرملة تدعى ماسودي كوهين وكان عمره لا يتجاوز 21 سنة، نال شهرة واسعة في المجال الغنائي وأصبح معشوق اليهود والمغاربة على حد سواء، وحققت أسطواناته أعلى المبيعات في المغرب وإسرائيل، رغم أنه عانى من دسائس المحيط الفني ونسجت حوله كثير من المواقف التي تكفي لاقتياده إلى السجن، خاصة في علاقته بنساء كبار رجالات الدولة.

قالت زوجته كوهين التي ما زالت تعيش في كندا: «لحسن حظ سامي أن شخصا ظل يؤمن ببراءته، هو محمد الخامس، ملك المغرب، لكن سامي فضل مغادرة المغرب هروبا من الشائعات». كان محمد الخامس معجبا بأغاني سامي، وحسب رواية إلياس كاكون، عازف الأكورديون الذي رافق سامي طويلا، فإن الفنان اليهودي المغربي حل بمقر إقامة محمد الخامس في ضواحي باريس حين كان الملك عائدا من منفاه، وهناك كتب سامي أغنية «ألف هنية وهنية يا لالة» الشهيرة التي خضعت لتعديلات وأصبحت تغنى في الأعراس، ثم أغنية «قولوا الحمد لله على السلامة لسيدنا محمد الخامس».

حسب مريم بن حامو، البنت الثانية لسامي المغربي والتي تقطن الآن في إسرائيل، فإن والدها ظل يتردد على حفلات القصر بشكل مستمر، وله صور كثيرة مع محمد الخامس والحسن الثاني، مضيفة أنها كانت ترافق والدها إلى القصر. وتابعت ابنة سامي في حوار مع صحيفة إسرائيلية أن الأغنية التي أدمعت لها عينا محمد الخامس، هي التي غناها سامي مباشرة بعد الزلزال الذي ضرب مدينة أكادير، أوائل الستينيات من القرن الماضي.

وحسب كثير من الشهادات التي قيلت في حقه، خلال حفل تأبين نظمته جمعية رباط الفتح بالرباط، فإن الملك الراحل الحسن الثاني كان مغرما بأعمال هذا الفنان اليهودي، الذي فاجأ الملك بتلاوة مقاطع من القرآن الكريم، رغم ديانته اليهودية، إذ كان يردد سورة الرحمان كاملة، كما كان ملما بجل أصناف الطرب المغربي والشرقي، إذ سبق له أن سجل بصوته رائعة «النهر الخالد» لمحمد عبد الوهاب.

كتبت له الوفاة في كندا يوم ثامن مارس 2008، تزامنا مع اليوم العالمي للمرأة، وهو عاشق المرأة، شارك في الجنازة سفير المغرب في كندا محمد طنجي، الذي قرأ آيات من القرآن على قبره ترحما عليه.


إقرأ أيضا