الاحتلال يقتل ناجي العلي ويبقي على «حنظله» خالدا - تيلي ماروك

الاحتلال - ناجي العلي - حنظله الاحتلال يقتل ناجي العلي ويبقي على «حنظله» خالدا

نشرت في : 02/07/2019
الاحتلال يقتل ناجي العلي ويبقي على «حنظله» خالدا

ذمن منا لا يعرف ناجي سليم حسين العلي (1937- 1987)، لكن لا أحد يعرف من قتله في ذات صباح لندني بارد. ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف، «أبو حنظلة»، ذلك الطفل الواقف دوما في أركان رسوماته وهو يولي ظهره لنا من دون أن نرى ملامح وجهه. 

عن هذا الطفل كان ناجي العلي دوما يقول:

«أنجبت حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما فقدان الوطن استثناء». وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: «كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبع».

وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: «عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته».

إضافة إلى فنه المتميز، تميز ناجي العلي بالنقد اللاذع للاحتلال الغربي للبلدان العربية واحتلال إسرائيل لفلسطين، وكانت رسوماته تجتذب دوما انتباه الشباب العربي المثقف للمأساة الفلسطينية والعربية، بل كانت رسوماته تسخر دوما من كل عمليات التسوية والتصالحات الشكلية التي كانت دول الاحتلال تحاول إبرامها. ويعتبر ناجي العلي من أهم الفنانين الفلسطينيين الذين عملوا على تزعم التغيّر السياسي باستخدام الفن كأحد أساليب التكثيف والمقاومة.  

«عندما تكون حرا طليقا في تعبيرك، يصعب علينا معرفة من سيقتلك»، هذا مبدأ صادق على حادث اغتيال الرسام ناجي العلي. يكتنف الغموض اغتياله، بحيث إن هناك جهات مسؤولة مسؤولية مباشرة أولها الموساد الإسرائيلي، وثانيها منظمة التحرير الفلسطينية كون ناجي العلي رسم في أواخر حياته بعض الرسومات التي تمس القيادات آنذاك، متهكما عليها لقبولها المساومة مع الاحتلال.

تنضاف إلى ذلك فرضية التصفية من بعض الأنظمة العربية مثل السعودية، بسبب انتقاده اللاذع لملوك العربية السعودية. لكن المتداول في حادث الاغتيال هو أن شابا مجهولا أطلق النار على ناجي العلي، حسب ما أسفرت عنه التحقيقات البريطانية في صباح يوم من أيام يوليوز 1987، والشاب يدعى بشار سمارة وهو على ما يبدو الاسم الحركي لبشار الذي كان منتسبا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنه في الوقت ذاته كان موظفا لدى جهاز الموساد الإسرائيلي. تمت عملية الاغتيال في لندن، حيث أصيب ناجي العلي بطلق ناري في وجهه (تحت عينه اليمنى)، ومكث في غيبوبة حتى وفاته في 29 غشت 1987، ودفن في لندن رغم طلبه أن يدفن في مخيم عين الحلوة بجانب والده، وذلك لصعوبة تحقيق طلبه.

قامت الشرطة البريطانية، التي حققت في جريمة قتله، باعتقال طالب فلسطيني يدعى إسماعيل حسن صوان ووجدت أسلحة في شقته، لكن كل ما تم اتهامه به كان حيازة الأسلحة فقط. تحت التحقيق، قال إسماعيل إن رؤساءه في تل أبيب كانوا على علم مسبق بعملية الاغتيال. لكن الموساد رفض نقل المعلومات التي بحوزتهم إلى السلطات البريطانية مما أثار غضبها وقامت مارغريت ثاتشر، رئيسة الوزراء حينذاك، بإغلاق مكتب الموساد في لندن. 

لم تعرف الجهة التي كانت وراء الاغتيال على وجه التحديد. واختلفت الآراء حول ضلوع إسرائيل أم منظمة التحرير الفلسطينية أو المخابرات العراقية أو أنظمة عربية كالعربية السعودية. ولا توجد دلائل ملموسة تؤكد تورط هذه الجهة أو تلك.

يتهم البعض إسرائيل بارتكاب العملية وذلك لانتمائه إلى حركة القوميين العرب التي قامت إسرائيل باغتيال بعض عناصرها، كما تشير بعض المصادر إلى أنه عقب فشل محاولة الموساد لاغتيال خالد مشعل بعمان، قامت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية بنشر قائمة بعمليات اغتيال ناجحة ارتكبها الموساد في الماضي، وتم ذكر اسم ناجي العلي في القائمة. 

يتهم آخرون منظمة التحرير الفلسطينية وذلك بسبب انتقاداته اللاذعة التي وجهها إلى قادة المنظمة. فبحسب تقرير لقناة BBC، فإن أحد زملاء ناجي العلي قال إن بضعة أسابيع قبل إطلاق النار عليه التقى ناجي العلي بمسؤول رفيع من منظمة التحرير الفلسطينية، وحاول إقناعه بتغيير أسلوبه، فقام ناجي العلي بعد ذلك بالرد عليه بنشر كاريكاتير ينتقد ياسر عرفات ومساعديه. ويؤكد هذه الرواية شاكر النابلسي الذي نشر عام 1999 كتابا بعنوان «أكله الذئب»، كما يدعي أيضا في كتابه أن محمود درويش كان قد هدده أيضا لقسوة رسوماته على القيادات الفلسطينية، ويورد مقتطفات من محادثة هاتفية بينهما كان العلي قد روى ملخصها في حوار نشرته مجلة «الأزمنة العربية» (عدد 170 /1986/ ص14). دفن الشهيد ناجي العلي في مقبرة Broke Wood الإسلامية في لندن وقبره يحمل الرقم 230191. 

 لا يعرف تاريخ ميلاده على وجه التحديد، ولكن يرجح أنه ولد عام 1937 في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة. وبعد احتلال إسرائيل لفلسطين هاجر مع أهله عام 1948 إلى جنوب لبنان، وعاش في مخيم عين الحلوة، ثم تم تهجيرهم من هناك وهو في العاشرة، ومن ذلك الحين لم يعرف الاستقرار أبدا، فبعد أن مكث مع أسرته في مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان اعتقلته القوات الإسرائيلية وهو صبي لنشاطاته المعادية للاحتلال، فقضى أغلب وقته داخل الزنزانة يرسم على جدرانها.

 كان الصحافي والأديب الفلسطيني غسان كنفاني (المغتال أيضا) قد شاهد ثلاثة أعمال من رسوم ناجي في زيارة له إلى مخيم عين الحلوة، فنشر له أولى لوحاته في مجلة «الحرية» العدد 88 في 25 شتنبر 1961. وفي سنة 1963 سافر ناجي العلي إلى الكويت ليعمل محررا ورساما ومخرجا صحفيا فعمل في «الطليعة» الكويتية، و«السياسة» الكويتية، و«السفير» اللبنانية، و«القبس» الكويتية، و«القبس» الدولية.

من أهم شخصياته الكاريكاتورية، والتي كانت حاضرة في كل رسوماته، «الطفل حنظلة». وهي شخصية ابتدعها ناجي العلي ظهرت في أول رسوماته في الكويت سنة 1969 في جريدة «السياسة» الكويتية، هذه الشخصية ستدير ظهرها في سنوات ما بعد 1973 احتجاجا على عمليات الصلح بين العرب والاحتلال (تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية). ومن ثم أصبح حنظلة بمثابة توقيع ناجي العلي على رسوماته. لقي هذا الرسم وصاحبه حب الجماهير العربية كلها وبخاصة الفلسطينية، لأن حنظلة هو رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم كل الصعاب التي تواجهه، فهو شاهد صادق على الأحداث ولا يخشى أحداً.

كان لدى ناجي شخصيات أخرى رئيسية تتكرر في رسوماته، منها شخصية المرأة الفلسطينية التي أسماها ناجي فاطمة في العديد من رسومه. وهي امرأة لا تصالح ولا تهادن، لها رؤية واضحة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وبطريقة حلها، بعكس شخصية زوجها الذي يعبر عن انكسار الرجولة في مسيرة كفاح الاحتلال. 

مقابل هاتين الشخصيتين تقف شخصيتان أخريان، الأولى شخصية ذلك السمين ذي المؤخرة العارية والذي لا أقدام له (سوى مؤخرته) ممثلا به القيادات الفلسطينية والعربية المرفهة والخونة الانتهازيين. وشخصية الجندي الإسرائيلي، طويل الأنف، الذي في أغلب الحالات يكون مرتبكا أمام حجارة الأطفال، وخبيثا وشريرا أمام القيادات الانتهازية.

كان ناجي يجيب، إن أحد سأله عن الطريق إلى فلسطين، بأنها طريق ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بالضبط مسافة الثورة. وبأن من قرر أن يكتب أو يرسم لفلسطين يجب عليه أن يعرف بأنه ميت حتى يحيا ما يبوح به قلمه وريشته. 

 

 

 

 


إقرأ أيضا