تحول مشكلة الإيجارات إلى قضية سياسية تنتهي بحل البرلمان
أشعلت أزمة السكن في إسبانيا موجة احتجاجات واسعة، بعدما خرج الآلاف في أكثر من 50 مدينة للمطالبة بخفض الإيجارات، وحماية المستأجرين، ووقف الإخلاءات، في وقت بات فيه تأمين مسكن مناسب عبئا متزايدا على الأسر والشباب. وأمام ضغط الشارع، أقرت حكومة بيدرو سانشيز مرسومين يتضمنان إجراءات لحماية المستأجرين، والحد من تداعيات أزمة السكن، لكن البرلمان رفضهما، لتتحول الهزيمة التشريعية إلى أزمة سياسية كشفت هشاشة الأغلبية التي تستند إليها الحكومة. ومع عجز سانشيز عن ضمان تمرير سياساته داخل البرلمان، وتصاعد الاحتجاجات في الشارع، اختار رئيس الوزراء حسم المواجهة بالعودة إلى الناخبين، معلنا حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة في 29 نونبر المقبل. وبذلك لم يكن سقوط المرسومين مجرد انتكاسة في ملف السكن، بل كان الحلقة التي دفعت الأزمة الاجتماعية إلى نهايتها السياسية: انتخابات مبكرة ستضع مستقبل سياسة السكن، وتوازنات الحكم في إسبانيا أمام صناديق الاقتراع.
إعداد: سهيلة التاور
لم تعد أزمة السكن في إسبانيا ملفا اجتماعيا ضاغطا على الأسر والشباب فحسب، بل تحولت إلى أزمة سياسية أطاحت بتوازنات البرلمان، ووضعت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أمام اختبار وجودي. فمع تصاعد الغضب بسبب ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات ونقص المساكن، اتسعت الاحتجاجات في أكثر من 50 مدينة، قبل أن تتلقى الحكومة ضربة برلمانية مزدوجة برفض مرسومين كانا يستهدفان تخفيف حدة الأزمة وحماية المستأجرين.
وبعد هذه الهزيمة، أعلن سانشيز حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نونبر، في خطوة اختصر بها نحو تسعة أشهر من عمر الولاية التشريعية. وبينما قدم رئيس الوزراء الانتخابات باعتبارها فرصة أمام الإسبان لاختيار أغلبية أكثر قدرة على الحكم، دخلت أزمة السكن بذلك مباشرة إلى قلب المعركة السياسية، بعدما كانت قد أصبحت أصلا أحد أبرز مصادر الغضب في الشارع.
السكن يتحول إلى أزمة معيشية
تتجاوز أزمة السكن في إسبانيا مسألة ارتفاع الأسعار، بعدما اتسعت الفجوة بين العرض والطلب إلى مستويات باتت تهدد قدرة قطاعات واسعة من السكان على تأمين مسكن مناسب.
ويقدر بنك إسبانيا النقص في الوحدات السكنية بنحو 700 ألف إلى 750 ألف منزل، فيما ارتفعت أسعار شراء المساكن بأكثر من 12 في المائة خلال عام واحد. وفي سوق الإيجارات، تضاعفت الأسعار تقريبا خلال العقد الماضي، بينما قفزت أسعار المنازل بنحو 90 في المائة، وفقا للبيانات الواردة في التقارير الأخيرة.
وتبدو الضغوط أكثر حدة في مدريد وبرشلونة، حيث وصلت الإيجارات إلى مستويات يصعب معها على أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة تحمل تكاليف السكن. وفي مدريد، يمكن أن يصل إيجار شقة من غرفة واحدة إلى نحو ألف يورو شهريا، فيما يقول عاملون شباب إنهم يضطرون إلى تخصيص جزء كبير من رواتبهم لمجرد تأمين غرفة أو شقة صغيرة.
وبالتوازي مع ارتفاع الأسعار، تصاعد الجدل حول شراء العقارات من جانب صناديق الاستثمار، وانتشار الإيجارات السياحية، وتحويل المساكن إلى أصول استثمارية، وهي عوامل يرى المحتجون أنها فاقمت أزمة المعروض، ودفعت السكن بعيدا عن متناول شريحة متزايدة من الإسبان.
إخلاء مسنة يفجر الغضب
وجدت الأزمة وجها إنسانيا صارخا في قضية ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عاما، والتي عاشت في شقتها بمدريد نحو سبعة عقود، قبل أن تجد نفسها مهددة بالإخلاء، بعد استحواذ شركة على العقار ورفع قيمة الإيجار بنسبة 275 في المائة.
وتحولت قضيتها إلى رمز للأزمة، خصوصا أن الإخلاء لم يعد في نظر المحتجين مجرد نزاع بين مالك ومستأجر، بل تجسيدا لمخاوف آلاف الأسر التي تخشى فقدان مساكنها مع ارتفاع الإيجارات بوتيرة تفوق قدرتها على الدفع.
وتحت ضغط الغضب الشعبي، توصل المالكون الجدد إلى اتفاق يسمح لأباسكال بالعودة إلى منزلها بإيجار أقل، لكن القضية كانت قد تجاوزت حدودها الشخصية. فقد أصبحت قصتها عنوانا لتحرك اجتماعي أوسع يطالب بإعادة تنظيم سوق الإيجار وتشديد حماية المستأجرين، خصوصا الفئات الهشة وكبار السن.
وفي مدريد، نصب محتجون خياما في ساحة بويرتا ديل سول، بينما انتقلت الاحتجاجات إلى مدن عدة، في مؤشر على أن أزمة السكن لم تعد قضية محلية أو ظرفية، وإنما تحولت إلى قضية وطنية.
الحكومة تتحرك تحت ضغط الشارع
أمام اتساع الاحتجاجات، سارعت حكومة سانشيز إلى طرح حزمة من التدابير للتعامل مع أزمة السكن، وأقرت مرسومين بقوة القانون تضمنا إجراءات تستهدف حماية المستأجرين، وزيادة المعروض السكني، والحد من بعض أشكال المضاربة العقارية.
وتضمن أحد المرسومين تمديد إجراءات الحماية من الإخلاء بالنسبة إلى الأسر التي تعاني هشاشة اقتصادية ولا تملك بديلا سكنيا، إلى جانب تمديد بعض عقود الإيجار التي تنتهي قبل عام 2028 لمدة عامين.
كما شملت الإجراءات تنظيم إيجارات الغرف والعقود الموسمية، في محاولة لمنع استخدامها للتحايل على قواعد الإيجار السكني، وفرض قيود على شراء المساكن من جانب صناديق الاستثمار، فضلا عن إجراءات ضريبية تستهدف بعض أنشطة الإيجار السياحي.
واقترحت الحكومة أيضا حوافز ضريبية للمستأجرين من ذوي الدخول المحدودة، ومزايا للمالكين الذين يعرضون مساكنهم بأسعار منخفضة في المناطق التي تشهد طلبا مرتفعا، إلى جانب برامج لمساعدة بعض الأسر على شراء منزلها الأول وزيادة حجم السكن العام.
أما المرسوم الثاني فركز على تمديد عقود الإيجار تلقائيا بعد انتهاء مدتها القانونية، ومنح المستأجرين ضمانات إضافية للبقاء في مساكنهم، مع وضع شروط أمام المالكين الراغبين في إنهاء العقود.
لكن ما اعتبرته الحكومة محاولة لاحتواء أزمة متصاعدة، اصطدم سريعا بجدار البرلمان.
هزيمة مزدوجة في البرلمان
رفض مجلس النواب المرسومين في تصويتين كشفا حجم المأزق الذي تواجهه حكومة سانشيز. فقد سقط المرسوم الأول بأغلبية 178 صوتا مقابل 172، فيما رُفض الثاني بـ184 صوتا مقابل 166.
ولم تكن النتيجة مجرد انتكاسة تشريعية في ملف السكن، بل ضربة سياسية مباشرة لرئيس الوزراء، إذ أكدت أن حكومته لا تملك أغلبية مستقرة تسمح لها بتمرير سياساتها بسهولة.
وصوت الحزب الشعبي المحافظ وحزب فوكس ضد الإجراءات، لكن موقف حزب «جونتس» الكتالوني كان حاسما. فعلى الرغم من المفاوضات مع الحكومة، قرر الحزب رفض المرسومين، معتبرا أن الإجراءات المقترحة لا تذهب بعيدا بما يكفي لمعالجة أزمة السكن.
وهكذا التقت أصوات المعارضة مع موقف أحد الأحزاب التي تحتاج الحكومة إلى دعمها لتمرير تشريعاتها، لتسقط الحزمة بأكملها.
جونتس يعمق مأزق حكومة الأقلية
أعاد التصويت إلى الواجهة واحدة من أكثر نقاط ضعف حكومة سانشيز: اعتمادها على شبكة معقدة من التفاهمات مع أحزاب صغيرة ومتباينة سياسيا. فالحكومة التي يقودها الحزب الاشتراكي إلى جانب تحالف سومار لا تتمتع بأغلبية برلمانية مستقرة، ما يجعل تمرير كل مشروع قانون عملية تفاوضية شاقة. وقد أظهر ملف السكن أن خلافا واحدا مع أحد الحلفاء المحتملين يمكن أن يحول قضية اجتماعية إلى أزمة سياسية.
وبالنسبة إلى سانشيز، لم تعد المشكلة مرتبطة بمرسومين فقط، وإنما بقدرة حكومته على الاستمرار في العمل ضمن برلمان شديد التجزؤ. ومع كل تصويت، تصبح الحاجة إلى عقد تفاهمات جديدة أكثر إلحاحا، فيما تزداد كلفة تقديم التنازلات للأحزاب التي تملك مفاتيح الأغلبية.
الشارع يصعد المواجهة
لم يتأخر رد الشارع على سقوط المرسومين. فقد خرج آلاف الإسبان إلى الشوارع في أكثر من 50 مدينة، مطالبين بخفض الإيجارات وتعزيز حماية المستأجرين ووقف عمليات الإخلاء.
وفي مدريد، قدرت السلطات عدد المشاركين بنحو 70 ألف شخص، بينما تحدث منظمو الاحتجاج عن نحو 500 ألف مشارك. ورفع المتظاهرون مطالب بخفض الإيجارات بنسبة 50 في المائة، وتمديد عقود الإيجار، ووقف الإخلاءات، وتشديد القيود على الصناديق الاستثمارية والمضاربة العقارية.
وامتدت الاحتجاجات إلى برشلونة وفالنسيا وغرناطة ومالقا وقادس وهويلفا وسانتاندير وبالما دي مايوركا وسيغوفيا وطليطلة وغيرها من المدن.
وفي فالنسيا، تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات مع الشرطة، وأفادت تقارير بإصابة تسعة من أفرادها واعتقال شخص واحد.
وبذلك، لم يعد رفض البرلمان للمرسومين نهاية لمسار الاحتجاج، بل أصبح وقودا لموجة غضب جديدة، أعادت السكن إلى واجهة النقاش السياسي والاجتماعي في البلاد.
مطالب بإضراب عام
مع استمرار الاحتجاجات، بدأت المطالب تتجاوز إجراءات السكن المباشرة لتصل إلى الدعوة لتنظيم إضراب عام، في محاولة للضغط على الحكومة والأحزاب السياسية من خارج المؤسسات التشريعية.
ويقول محتجون إن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بارتفاع قيمة الإيجار، وإنما بالقدرة على بناء حياة مستقرة. فالشباب الذين يخصصون جزءا كبيرا من دخولهم للسكن يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة بين السكن المشترك، أو الانتقال إلى مناطق بعيدة، أو تأجيل الاستقلال وتكوين الأسر.
وفي هذا السياق، قال ماركوس ساينز، وهو أمين مكتبة، يبلغ من العمر 26 عاما، إنه يتقاسم شقة من غرفتين مقابل نحو 900 يورو شهريا، بينما أشار خافيير، البالغ 31 عاما ويعمل في تركيب الألواح الشمسية، إلى أن نصف دخله يذهب إلى غرفة صغيرة.
وتعكس هذه الشهادات تحولا في طبيعة الأزمة، من مشكلة عقارية إلى أزمة اجتماعية تمس الاستقلال الاقتصادي ومستقبل جيل كامل.
سانشيز يفتح الطريق أمام صناديق الاقتراع
اختار سانشيز الذهاب إلى الانتخابات، بدلا من مواصلة إدارة حكومة تواجه صعوبة متزايدة في تأمين الدعم البرلماني.
وأعلن رئيس الوزراء حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة في 29 نونبر المقبل، معتبرا أن الإسبان يجب أن يحصلوا على فرصة لاختيار أغلبية أكثر وضوحا وقدرة على الحكم.
ويراهن سانشيز، من خلال الانتخابات، على إعادة تشكيل الخريطة البرلمانية بما يسمح لحكومة مقبلة بالحصول على دعم أوسع لتنفيذ برنامجها الاجتماعي والاقتصادي، سيما في الملفات التي أصبحت أكثر إلحاحا بالنسبة إلى الناخبين.
لكن القرار يحمل في الوقت نفسه مخاطرة سياسية، إذ يضع الحزب الاشتراكي وحلفاءه أمام اختبار انتخابي، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات للحكومة، وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تقدما للحزب الشعبي.
السكن في قلب المعركة الانتخابية
رحب ألبرتو نونييث فييخو، زعيم الحزب الشعبي، بالدعوة إلى انتخابات مبكرة، وكان قد طالب سانشيز، عقب سقوط المرسومين، بالعودة إلى الناخبين، معتبرا أن الحكومة فقدت دعم البرلمان والشارع.
لكن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد مواجهة تقليدية بين اليمين واليسار. فأزمة السكن فرضت نفسها باعتبارها أحد أهم الملفات التي ستحدد خيارات الناخبين، بعدما أصبحت تكلفة الإيجار وامتلاك منزل وحماية المستأجرين قضايا يومية لملايين الإسبان.
ومع دخول البلاد المرحلة الانتخابية، سيجد كل طرف نفسه مضطرا إلى تقديم إجابات أكثر وضوحا بشأن كيفية زيادة المعروض السكني، واحتواء الإيجارات، وتنظيم الاستثمار العقاري، وحماية الفئات الأكثر عرضة للإخلاء.
وتكشف استطلاعات الرأي الحالية تقدما للحزب الشعبي على الحزب الاشتراكي، لكنها أجريت قبل الدعوة الرسمية إلى الانتخابات وقبل أن تتحول أزمة السكن إلى محور المعركة السياسية، ما يجعل من المبكر التعامل معها باعتبارها مؤشرا نهائيا على النتيجة.
أزمة السكن ترسم ملامح الانتخابات
انتقلت إسبانيا خلال فترة قصيرة من احتجاجات على ارتفاع الإيجارات إلى أزمة سياسية انتهت بالدعوة إلى انتخابات مبكرة. ولم يكن سقوط مرسومي السكن وحده سبب قرار سانشيز، لكنه شكل اللحظة التي اجتمعت فيها أزمات كانت تتراكم منذ أشهر: غضب اجتماعي متصاعد، ونقص حاد في المساكن، وارتفاع متواصل في الإيجارات، وبرلمان مجزأ، وحكومة تواجه صعوبة في ضمان الأغلبية.
وفي 29 نونبر، لن يصوت الإسبان فقط على هوية الحكومة المقبلة، بل سيحسمون أيضا اتجاه السياسة التي ستتعامل مع واحدة من أكثر الأزمات إلحاحا في حياتهم اليومية.
فأزمة السكن التي بدأت من أسعار لا يستطيع كثيرون تحملها، مرورا بقضية امرأة مسنة تحولت إلى رمز للاحتجاج، وصولا إلى إسقاط إجراءات حكومية في البرلمان، أصبحت الآن عاملا سياسيا قادرا على إعادة رسم موازين القوى في إسبانيا.