هل تعجّل صراعات الحلفاء بسقوط حكومة العثماني قبل 2021؟ - تيلي ماروك

صراعات الحلفاء - حكومة العثماني هل تعجّل صراعات الحلفاء بسقوط حكومة العثماني قبل 2021؟

نشرت في : 22/04/2019
هل تعجّل صراعات الحلفاء بسقوط حكومة العثماني قبل 2021؟

أنهت حكومة سعد الدين العثماني نصف ولايتها، غير أن عددا من المشاريع مازالت تنتظر التنفيذ، بعدما جرى إعلانها في برنامجها الحكومي. واختل التوزان في ما بين مكوناتها بشأن عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي مازالت لا تعرف طريقها إلى الحل، في ظل الأزمة التي تعرفها عدد من مكونات التحالف الحكومي، رغم أنها لم تمض سوى حوالي نصف ولايتها. فما هي الملفات الكبرى والمشاريع العالقة؟ وهل تؤثر خرجات بنكيران والتصريحات والتصريحات المضادة بين الحلفاء في سقوطها؟

شهدت الأيام الأخيرة خرجات كثيرة بين مكونات حكومة سعد الدين العثماني التي تم تشكيها في أبريل 2017، بالتزامن مع إنهائها نصف ولايتها. ففي الوقت الذي توجد عدد من الملفات العالقة، من بينها أزمة «التعاقد» واحتجاجات الأطباء والممرضين وملفات أخرى في الرفوف، أدلى نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي يسميه «البيجيدي» حليفا استراتيجيا، بتصريحات رسم من خلالها صورة قاتمة عن الوضع السياسي في المغرب، في ظل الحكومة الحالية، قائلا إن المغرب يعيش «حالة حيرة» تشمل مختلف الأوساط، ليست الشعبية والطبقة الوسطى فقط، بل أيضا أوساط رجال الأعمال والأوساط الثقافية وغيرها. وقال نبيل بنعبد الله إنه لم يعد يرى إمكانية إحداث تحول من داخل التركيبة الحكومية الحالية، واعتبرها ضعيفة، وتوقع عدم استمرارها إلى 2021.

حكومة العثماني.. تاريخ أزمات واضطرابات

تاريخ حكومة سعد الدين العثماني تاريخ أزمات متواصلة. هكذا يعلق المراقبون على مدى استقرارها من عدمه منذ تشكيلها. فبالعودة إلى الأشهر الأولى بعد تشكيلها وتسمية مكوناتها، عرفت حكومة العثماني زلزالا أحدث رجة كبيرة داخل الوسط السياسي. فقد أعفى الملك محمد السادس وزراء ومسؤولين في إطار تفعيل مبدأ «ربط المسؤولية بالمحاسبة»، بناء على تقارير مرفوعة إليه من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، والمجلس الأعلى للحسابات، كشفت تورط هؤلاء الوزراء في الاختلالات التي عرفها برنامج «الحسيمة منارة المتوسط». وشمل قرار الإعفاء محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، بصفته وزير الداخلية في الحكومة السابقة، ومحمد نبيل بنعبد الله، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، بصفته وزير السكنى وسياسة المدينة في الحكومة السابقة، والحسين الوردي، وزير الصحة، بصفته وزيرا للصحة في الحكومة السابقة، والعربي بن الشيخ، كاتب الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المكلف بالتكوين المهني، بصفته مديرا عاما لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سابقا، كما قرر الملك إعفاء علي الفاسي الفهري من مهامه مديرا عاما للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

وأشار بلاغ الديوان الملكي إلى أن هذه القرارات الملكية تندرج في إطار سياسة جديدة لا تقتصر على منطقة الحسيمة فقط، وإنما تشمل جميع مناطق المغرب، وتهم كل المسؤولين على اختلاف مستوياتهم، في نطاق إعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحفيز المبادرات البناءة وإشاعة قيم الوطنية الحقة والمواطنة الملتزمة بخدمة الصالح العام.

وبعد أول تعديل حكومي، اشتدت أزمة الحرب الكلامية بين مكونات الأغلبية الحكومية، منذ التصريحات النارية التي أطلقها رئيس الحكومة السابق، والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، في مؤتمر شبيبة حزبه، ضد كل من عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وإدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. كما تسببت التصريحات التي أدلى بها العثماني في أزمة داخل الأغلبية الحكومية، عندما هاجم، في لقاء حزبي داخلي مع شبيبة حزبه، وزير الصحة السابق، الحسين الوردي، الذي أعفاه الملك محمد السادس من مهامه، واعتبره العثماني «أسوأ وزير للصحة عرفه المغرب». وأثارت هذه التصريحات موجة غضب داخل حزب التقدم والاشتراكية، بحيث سارع نبيل بنعبد الله، الأمين العام للحزب، إلى المطالبة بعقد اجتماع طارئ لهيئة الأغلبية التي تضم الأمناء العامين لأحزاب التحالف الحكومي، بعدما ظلت اجتماعات الهيئة مجمدة منذ تشكيل الحكومة.

 ومن بين ما يؤكد اضطراب حكومة سعد الدين العثماني الحروب الكلامية بين زعماء أحزاب الأغلبية، ما يهدد بتفجير التحالف الحكومي. ورغم توقيع ميثاق الأغلبية من طرف زعماء الأحزاب الستة المشكلة للحكومة، فإنه بقي مجرد حبر على ورق، في ظل عدم التزام أطراف التحالف بمقتضياته. والدليل على ذلك تقديم مقترح حذف وزارة من الخريطة الحكومية، دون مناقشة ذلك داخل هيئة الأغلبية، حسب ما أكده حزب التقدم والاشتراكية المعني بالحقيبة الوزارية، عندما عبر عن عدم تفهمه لمغزى هذا الاقتراح الصادر عن رئيس الحكومة، والذي كان للوزير الوصي على قطاع التجهيز والنقل واللوجستيك والماء مسؤولية مباشرة فيه، والذي هَمَّ فقط قطاع الماء دون غيره من باقي القطاعات الحكومية الأخرى، مشيرا إلى أن هذا الاقتراح «لم يأخذ أبدا بعين الاعتبار الضوابط السياسية والأخلاقية اللازمة في مجال تدبير التحالفات والعلاقات داخل أي أغلبية حكومية ناضجة، فبالأحرى عندما يتعلق الأمر باحترام العلاقة المتميزة التي تجمع حزبنا بحزب رئيس الحكومة»، وأضاف «هذا مع العلم أن وضعية كتابات الدولة وعضوات وأعضاء الحكومة المشرفات والمشرفين عليها تطرح مشكلا حقيقيا بالنسبة لكل الهيئات السياسية المشكلة للأغلبية الحكومية في ما يتصل بالاختصاصات والعلاقة مع الوزراء المشرفين على هذه القطاعات».

وفي الوقت الذي يقوم ميثاق الأغلبية، الذي جرى التوقيع عليه من قبل الأمناء العامين للأحزاب الستة المشكلة للأغلبية الحكومية، على خمسة مرتكزات أساسية، تتعهد الأحزاب المشكلة للأغلبية بالعمل على تحقيقها، والمتمثلة في التشاركية في العمل، والنجاعة في الإنجاز، والشفافية في التدبير، والتضامن في المسؤولية، يبقى التنسيق والتوافق في عدد من الملفات غير قائم، على الرغم من أن الأحزاب المكونة للأغلبية مجتمعة التزمت ببلورة رؤية تشاركية وموحدة ومندمجة لحسن سير العمل الحكومي، وخاصة حول الملفات الكبرى التي تحددها هيئة رئاسة الأغلبية، وتعزيز التضامن بين مكونات الأغلبية، وإرساء التشاور والتعاون والتنسيق الدائم في ما بينها، من خلال تنظيم وتسيير وتقييم عملها المشترك واحترام التزامات الأغلبية والانضباط لقراراتها، والحرص على تماسكها وعدم الإساءة للأحزاب المكونة لها، دون أن يمنع ذلك من الحق في النقد البناء. وفي جميع الحالات تعمل الأحزاب المكونة للأغلبية على حل خلافاتها من داخل آليات الميثاق.

تحريض بنكيران يهدد حكومة العثماني

تواجه حكومة سعد الدين العثماني عددا من الضغوطات الخارجية، والتي قد تؤدي إلى سقوطها في أي لحظة، خصوصا أن عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، وجه إلى سعد الدين العثماني نصيحة حينما قال له ضع المفاتيح «وراسك مرفوع». فبالتزامن مع انعقاد لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، للمصادقة على مشروع القانون الإطار المتعلق بالتربية والتكوين، بعد التوصل إلى توافق بين جميع الفرق البرلمانية من الأغلبية والمعارضة، حرض رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، نواب حزبه على التصويت ضد القانون، ولو أدى ذلك إلى إسقاط الحكومة التي يقودها سعد الدين العثماني، حيث دعا في كلمة مصورة بثها عبر صفحته في فايسبوك، منتسبي الحزب وبرلمانييه في مجلسي النواب والمستشارين إلى التمرد على التوافق الذي تم التوصل إليه بمجلس النواب من أجل التصويت على القانون، بما في ذلك المواد المثيرة للجدل المتعلقة بتدريس المواد العلمية والتقنية بإحدى اللغات الأجنبية.

تحريض بنكيران ظهر جليا حينما اعتبر أن المصادقة على القانون الإطار 51.17 المتعلق بإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي بصيغته الجديدة ستكون بمثابة «ضربة قاضية لحزب العدالة والتنمية»، على حد تعبيره، وطالب فيها فريق حزبه بالبرلمان وكذا رئيس الحكومة سعد الدين العثماني برفضه. وواصل بنكيران تحريضه لنواب الحزب على رفض التصويت على القانون الإطار في الشق المتعلق بلغة التدريس، ودعا إلى ضرورة التراجع عن الصيغة المتوافق حولها «ولو كانت الضريبة هي سقوط الحكومة»، معتبرا أن حزب العدالة والتنمية «قدم تنازلات، لكن التنازل عنده حدود»، داعيا إلى «ترك الأحزاب الأخرى للتصويت على القانون، وإن أرادوا تشكيل أغلبية جديدة غير هذه الأغلبية الحالية، فنحن لن نكون إلى جانبهم» على حد تعبير بنكيران، معتبرا تصويت حزب العدالة والتنمية على القانون الإطار «خيانة» للدستور ولرؤيته المذهبية.

خرجة بنكيران تسببت في ارتباك نواب حزب العدالة والتنمية، حيث انسحب إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس الفريق، من اجتماع ندوة رؤساء الفرق البرلمانية، بحضور الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب، عندما طالب بتأجيل الجلسة التشريعية المخصصة للتصويت على مشروع القانون الإطار المتعلق بالتربية والتكوين، وذلك إلى حين حسم الخلافات داخل فريق حزبه بخصوص تدريس المواد العلمية والتقنية بإحدى اللغات الأجنبية. وتسبب ارتباك فريق «البيجيدي» في تأجيل اجتماع لجنة التعليم والاتصال، كما عقد العثماني اجتماعا طارئا مع نواب حزبه، بعدما هدد بعضهم بالتصويت ضد القانون، رغم التوافق حول النقاط الخلافية. وفعلا، تمكن نواب «البيجيدي» من تأجيل ثلاثة اجتماعات كانت مبرمجة للمصادقة على القانون، وذلك إثر انقلاب الحزب على الاتفاق الذي حصل بين رؤساء الفرق البرلمانية على تقديم تعديلات مشتركة، وتوصلوا إلى صيغة لتعديل المواد التي كان بشأنها خلاف، ويتعلق الأمر بالمادة الثانية من القانون، التي تنص على اعتماد مبدأ التناوب اللغوي، والمادة 31 التي تنص على تدريس المواد العلمية والتقنية بإحدى اللغات الأجنبية، لكن الخروج المثير لبنكيران جعل رئيس فريق «البيجيدي» يتراجع عن هذا التوافق، وطلب مهلة إضافية لإعادة النظر في التعديلات المقدمة.

وبعد مفاوضات ماراثونية استمرت إلى ساعات متأخرة، بحضور وزير التربية الوطنية والتعليم العالي، سعيد أمزازي، ورئيس مجلس النواب، الحبيب المالكي، توصل رؤساء الفرق البرلمانية إلى توافق حول مشروع القانون الإطار المتعلق بالتربية والتكوين، وذلك بالإبقاء على المواد المتعلقة بتدريس اللغات كما وردت في النص الأصلي الذي أحالته الحكومة على البرلمان.

أزمات متتالية بين "البيجيدي" والأحرار

من حين إلى آخر، تطفو أزمة البيت الحكومي للعلن بين حزب العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، ويظهر جليا أن التنسيق الحكومي أصبح هشا في العلاقة بينهما، خصوصا أن هذه العلاقة ظلت تشهد الكثير من التوتر في مناسبات عدة.

وبالعودة إلى تاريخ الأزمات التي كادت تعصف بين الحليفين الحكوميين، سنجد أن الإضرابات العامة التي خاضها التجار الصغار احتجاجا على نظام الفوترة الإلكترونية الجديد تعد الملف الذي فجر الخلاف داخل الحكومة بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، حيث حمل حزب التجمع الوطني، في اجتماع مكتبه السياسي بمدينة الناظور، إبان بداية الأزمة منتصف يناير الماضي، المسؤولية للإجراءات التي تم اعتمادها من قبل الحكومة السابقة في قانون المالية 2014. ثم بعدها خرج المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار عن صمته واعتبر الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية مسؤولة عن الأزمة، لكونها فرضت تلك الإجراءات دون مشاورات مسبقة مع التجار، فيما دعا إلى إجراء التعديلات اللازمة وبشكل عاجل على مدونة الضرائب ومدونة الجمارك قصد تصحيح هذا الوضع. ليأتي بعد ذلك عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، وهاجم من جديد، في لقاء له مع شباب من حزبه، حلفاء العثماني من داخل الحكومة، ليعيد مهاجمة عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات والتنمية القروية، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، باسمه، وطالبه بنكيران بالانسحاب من السياسة وقال: «أخنوش نصحتو يمشي للدار بحالو، ما بغاش اسمع لي»، مردفا «هداك جابوه الفلوس ومعندوش «الكباري» ديال السياسة»، حسب بنكيران، الذي قال إن «السياسة هي توقف في وجه الناس»، على حد تعبير بنكيران، الذي قال إنه «مصاب اجي شي واحد آخر بلاصت العثماني». وربط بنكيران خرجات حليف العدالة والتنمية داخل الحكومة بالتسخين لانتخابات 2021 التشريعية.

وبعد مرور مدة على تصريحات بنكيران ضد حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيسه، خرج سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة، بدوره، خلال كلمته الافتتاحية ضمن أشغال اللقاء التواصلي الداخلي لجهة سوس- ماسة، للتلميح إلى أزمة التجار، وقال إن «حزبا اتخذ القرار وبعد الأزمة والمشكل بدأ يهاجم الحكومة ويتهمها رغم أنه هو المشارك فيها»، حسب العثماني، الذي اتهم التجمع الوطني للأحرار، دون ذكره بالاسم، بـ«التسبب في المشكل ومحاولة التهرب منه رغم أن وزراءه هم المسؤولون عن ذلك القطاع»، على حد تعبير العثماني، الذي قال إن «التضامن الحكومي لا يعني أن يتم تحميل حزب رئيس الحكومة المسؤولية عن قرارات الحكومة»، مردفا أن الموقف الذي عبر عنه حزب التجمع الوطني للأحرار من أزمة التجار «ليس تصرفا سياسيا ويجب تحمل المسؤولية». وبعد أقل من يوم على تصريحات العثماني، رد عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات والتنمية القروية، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، في كلمة له بالمجلس الوطني للحزب بالرباط، موضحا موقف الحزب مما عرفته التجارة المغربية من احتجاجات، قائلا: «موقفنا واضح وما قلته في الناظور لازلت متمسكا به، ولا أفهم كيف للمجلس الحكومي، الذي يهتم بشؤون المواطنين، أن ينتقد تصريحات حزب سياسي، أي ديمقراطية هاته؟»، مضيفا «نحن لا نتحدث في الحكومة عن تصريحاتهم، نحترمهم ونقول ما نريد داخل حزبنا، نعبر عن آرائنا بكل حرية، ويجب احترام المؤسسات الحزبية»، على حد تعبير أخنوش، الذي قال: «في مشكل التجار نحن لا نرمي الكرة في ملعب أي حزب، لكننا نطالب بأن تتحمل الحكومة المسؤولية كاملة، نحن كطرف نتحمل المسؤولية، لكن لابد للأطراف الأخرى أن تعترف بمسؤوليتها في الأمر، والبحث عن الحل، وعندما نرى أن الأمور أصبحت تخرج عن سياقها من الضروري الجلوس سويا للبحث عن الحلول»، وتابع أن «تغيير الأمور يستلزم تغيير القوانين، وأن الأمر لا يتم بالتعليمات، لأن القوانين تنظم حياة المواطن في المغرب». وواصل أخنوش رده على التصريحات السابقة لرئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني، بالقول إن قانون المالية «ليس ملكا لوزير المالية، هو من أنتجه صحيح لكنه يحتسب على رئيس حكومة»، مضيفا «المواد القانونية المثيرة للجدل في قضية التجارة، صحيح أنها جاءت في قانون المالية 2014، أحالها رئيس الحكومة آنذاك بيده على اللجنة المختصة في مجلس النواب التي يرأسها حزب رئيس الحكومة». وبدوره، دخل وزير الدولة في حقوق الإنسان، وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، مصطفى الرميد، في موجة التراشق بين حزب التجمع الوطني للأحرار و«البيجيدي». وراسل الرميد أخنوش متهما إياه بـ«تغليط الرأي العام في قضية التجار والفوترة الإلكترونية»، على حد تعبير الرميد، الذي انتقد بلاغ المكتب السياسي لحزب «الأحرار»، وقال إن البلاغ «كان مثيرا في طريقة الحديث عن الصعوبات التي يعاني منها التجار، حيث لم تترددوا في تحميلها كاملة للحكومة السابقة والحالية».

ملفات عالقة تنتظر الحل من الحكومة

بعد قرابة العامين على تشكيل حكومة سعد الدين العثماني، لم تظهر بعد معالم الانسجام بين الأحزاب المشكلة لها بخصوص التصورات الكبرى للسياسات القطاعية والسياسات العمومية المتبعة، بل أبانت الحكومة عن افتقادها للتوازن في عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي مازالت لا تعرف طريقها للحل، وعلى رأسها الملف المتعلق بالحوار الاجتماعي، علاقة اتسمت بالقطيعة أكثر منها بالحوار بين القطبين الاجتماعيين وسط معادلة يغيب عنها الطرف الثالث الذي هو أرباب العمل. فمنذ ماي من سنة 2018، لم تنجح حكومة سعد الدين العثماني من جديد في إجلاس المركزيات النقابية إلى طاولة الحوار الاجتماعي الماضي للطرفين، وعلى الرغم من عقدهما لجلسات وصفت في ما بعد من قبل النقابات بأنها فولكلورية وليست تفاوضية، ما دفعها إلى أن تقرر الانسحاب من الحوار.

انسحاب النقابات من الحوار الاجتماعي جاء مع نهاية سنة 2018، ليختتم سنة وصفت بالتوتر الاجتماعي بين النقابات والحكومة، توتر تمظهر في عدد من الإضرابات والمسيرات التي خاضتها المنظمات النقابية بأشكال مركزية أو قطاعية، ودفع حكومة سعد الدين العثماني إلى إعلان عرض حكومي هددت بتنزيله من طرف واحد دون الحصول على موافقة النقابات، وهو العرض الذي اعتبرته الحكومة هدية رأس السنة للطبقة العاملة مع مطلع 2019، وتضمن الزيادة في الأجور بقيمة 300 درهم في السلاليم الدنيا على ثلاث دفعات وزيادة في التعويضات العائلية على الأبناء بقيمة 100 درهم في حدود الأطفال الثلاثة الأوائل على أن تكون على دفعتين بقيمة 50 درهما كل سنة. وأعلنت النقابات رفضها للعرض الحكومي المتعلق بالزيادة المشروطة في الأجور لفئات اجتماعية محددة، واعتبرت المركزيات النقابية أن جلسات الحوار الاجتماعي التي دعت إليها رئاسة الحكومة لم تتضمن أي جديد في العرض الحكومي ما دفع المركزيات النقابية إلى إعلان الانسحاب منها ومقاطعة الحوار، ليستمر الوضع على حالة «البلوكاج الاجتماعي» إلا عن الحديث عن قرب توقيع اتفاق بين النقابات ووزارة الداخلية وهو الاتفاق الذي لم يحسم بعد مع إعلان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل رفضها له.

من جانب آخر، مازال قطاع التعليم يعيش تحت وقع الأزمة الخانقة التي سببتها الإضرابات المتواصلة على رأسها إضراب الأساتذة المتعاقدين. فقد كانت التحذيرات ترافق قرار الوزارة الوصية التوظيف بـ«الكونطرا»، واعتبرت النقابات حينها أنه جاء بشكل انفرادي ودون أي استشارة، عكس ما كان متفقا عليه مع الوزير. واعتبرت النقابات أن قرار وزارة التربية الوطنية بوصفها «للمرسوم المتعلق بالتشغيل بالعقدة المصادق عليه من طرف المجلس الوزاري المنعقد في يونيو 2016» يشكل «هجوما جديدا خطيرا وعدوانيا على مكاسب القطاع العمومي بهدف تفكيكه وتصفيته وخوصصته»، كما قالت إن المرسوم يمثل «استمرارا للعدوان الذي قادته الحكومة والمتمثل في المرسوم المتعلق بفصل التكوين عن التوظيف ومرسوم تقليص منحة الأستاذ المتدرب إلى النصف ومرسوم تمديد العمل قسريا وجبريا بعد سن التقاعد لنساء ورجال التعليم وحرمان الموظفين المستقيلين أو المشطب عليهم من الاستفادة من معاش نسبي أو مبكر ومرسوم نقل الموظفين».

وعلى الرغم من توقيع الآلاف لعقود التوظيف في قطاع التعليم العمومي في إطار ما سمي أطر الأكاديميات، إلا أن التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد دعت كافة الأساتذة إلى الامتناع عن التوقيع على الملحقات المصاحبة للعقود، وذلك بعد أن بدأت أكاديميات التربية والتكوين السعي لتجديد هذه الأخيرة. وعقب انعقاد مجلسها الوطني، أصدرت التنسيقية بيانا لـ«مقاطعة الإمضاء على ملحق عقد الإذعان»، مؤكدة أن بعض الأكاديميات أصدرت مذكرات لتجديد العقدة للأساتذة المنتمين لأفواج 2016، و2017 و2018، واعتبرت التنسيقية أن ذلك يأتي في إطار سعي الأكاديميات المتواصل «لتكريس التعاقد، وإضفاء الشرعية على ما سمي زورا بالنظام الأساسي لموظفي وأطر الأكاديميات، بغية ضرب مشروع نضالات التنسيقية، ومطلبها المتمثل في الإدماج»، وأشارت إلى ضرورة التصدي لهذا الإجراء «الماكر» الذي خالف مضامين النظام الأساسي.

وفشلت الحكومة في حل أزمة «التعاقد» والوصول إلى حل توافقي مع الأساتذة المتعاقدين، بعد رد الأساتذة على الدعوة الأخيرة التي وجهها لهم الوزير بالعودة لحجرات التدريس مقابل فتح باب الحوار معهم على أرضية عدد من النقط المطلبية على رأسها الترسيم في أسلاك الوظيفة العمومية، حيث قررت التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد تمديدَ الإضراب لأسبوعٍ كاملٍ، معتبرة مقترحات الوزارة «ابتزازا للأساتذة ولا تكشفُ عن حسن نية الوزارة وجديتها لحل الملف»، وقالت إنه «لا يمكن الحديث عن مقترحات وضمانات حقيقية في ظلّ غياب بلاغ رسمي للوزارة الوصية على قطاع التعليم»، مؤكدة أن «كل المبادرات لحل الملف أفضت كلها إلى ضرورة فتح حوار جدي ومسؤول مع وزارة التربية الوطنية».

إلى جانب هذه الملفات، هناك ملفات لا تقل أهمية عنها، ومن جملتها إحداث صندوق التماسك الاجتماعي، وتحديد مفهوم الطبقة الميسورة الذي حدده الخبراء المغاربة في دراسات سلمت للحكومة، في الفئة التي يتجاوز مدخولها الشهري ثلاثين ألف درهم، وإخراج القوانين المتعلقة بتنزيل الدستور في الجانب الثقافي، بالإضافة إلى ملف ارتفاع المديونية الخارجية إلى مستويات قياسية، ورفع نسبة الضرائب على البضائع الموجهة للفئات البسيطة وخفض بعضها على الفئات الغنية خصوصا في العقار، حيث تم تمرير تخفيض مهم في قانون مالية 2018 على العقارات المدمجة في المجال الحضري حديثا من 30 في المائة إلى 20 في المائة، بالإضافة إلى الملفات السياسية المرتبطة بعدم الانسجام داخل الحكومة، وأصبحت حلولها تسير في تأزيم الوضع الاجتماعي والاقتصادي، من قبيل رفع الدعم عن المواد الأساسية وارتفاع الديون الخارجية، مع اعتماد الحكومة سياسة الاقتراض من البنك الدولي، بالإضافة إلى ملفات التشغيل والصحة وأوراش الجهوية الموسعة والمخطط التنموي.


إقرأ أيضا