عمدة فاس يهدد بـ "مواجهة" المنتقدين و"إغلاق أفواههم"

عمدة فاس يهدد بـ "مواجهة" المنتقدين و"إغلاق أفواههم"

14/09/2018

في تطور لافت لموجة الانتقادات ضد أداء المجلس الجماعي لمدينة فاس، فقد العمدة الأزمي السيطرة على أعصابه، في تصريحات صحفية وزعها ذات اليمين وذات الشمال، حيث هدد بإخراس المنتقدين وإغلاق أفواههم، ورفع دعاوى قضائية ضدهم، واتهمهم بـ"خدمة الفساد" و"الارتشاء" و"الابتزاز"، ونعت انتقاداتهم بـ"الحملات المغرضة". وقال الأزمي، في ذروة الغضب: "سنخرس هذه الأفواه البئيسة" و"سنكون لها بالمرصاد" و"سنغلقها بشكل نهائي"، قبل أن يورد، في موضع آخر، بأنه "سيفضح المقامرين بسمعة المدينة"، وفيما اعتبرت هذه التصريحات أنها تشجع على العنف، وصلت حملة الانتقادات الشعبية الموجهة ضد العمدة إلى درجة ارتداء بعض الفعاليات الجمعوية المحلية أقمصة سوداء حدادا على "موت" المدينة.

وذهب العمدة الأزمي، في تصريحاته الغاضبة هنا وهناك، إلى أن عدد منتقديه لا يتجاوز الـ20 شخصا بسبب توقيف المجلس لصنبور الرشوة، وهو ما دفعهم إلى اللجوء إلى شبكات التواصل الاجتماعي لتوجيه الانتقادات إليه.

 وفي المقابل، تحدثت أمال عاطفي، إحدى الفاعلات الجمعوية التي كانت ضمن مبدعي فكرة الاحتجاج بأقمصة "الحداد"، عن أنهم تعرضوا للسب والقذف ومحاولات إرشاء.  ومن جهة أخرى، تحدث محمد العسري، ناشط جمعوي، عن أن خرجة العمدة متوقعة لأنه لا يملك حجج الرد على الانتقادات الموجهة إليه. وعبر العسري، في تصريحاته للموقع، عن استنكاره لهذه التصريحات التي نعتها بـ"المشينة" واعتبر أنها تصريحات تشجع على العنف ضد المعارضين، وقال إن الأصوات التي وصفها بالحرة تستحضر في كل مرة عدم تنفيذ الوعود التي تضمنها البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية.

ودافع العمدة الأزمي، في تصريحاته الغاضبة التي خلفت مزيدا من الانتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي، عن إنجازات مجلسه، وقال إن مدينة فاس "بخير"، قبل أن يضيف أن مشاكلها لا تختلف عن مشاكل باقي المدن. وعاد ليؤكد على أنه ستكون له الفرصة ليقدم حصيلة ثلاث سنوات من ترؤس حزب العدالة والتنمية للمجلس الجماعي، ومعه المقاطعات الست التابعة له. وزاد في القول إن الدافع الأساسي له في تأكيده على تقديم هذه الحصيلة هو "إخراس هذه الأفواه" التي أصر على أنها قليلة، مقارنة مع توجه عام لسكان المدينة لا يزال يثق في مجلس الجماعة، بحسب تعبيره. ويشير العمدة الأزمي، بكل ثقة، إلى أن سكان المدينة يعرفون أن المجلس الجماعي الحالي هو "مجلس نقي" ومجلس "له خبرة" و"يشتغل". وفي مقابل هذه الثقة، "هناك أفواه بئيسة". واعتبر الأزمي أن هذه "الأفواه البئيسة" لا تنتقد المجلس الجماعي لأنه لم يحقق أي شيء، وإنما لأن "المجلس لا يزال يتمتع بثقة الساكنة"، وأكد على أنه سيقف ليواجه هذه "الأفواه" و"سيغلقه" بشكل نهائي بالاعتماد على "الأرقام" وعلى "الإنجازات الحقيقية"، بل أكثر من ذلك، ذهب الأزمي ليسجل أنه شخصيا يعرف من يمولها، وقال إن هذه الأفواه لن ترجع المدينة إلى عهد سابق، والذي كان "عهد فساد"، لكن منتقديه يؤاخذونه، من ضمن المؤاخذات، على عدم فتح تحقيق في ملفات فساد تتعلق بتدبير الشأن المحلي، والتي كان حزب العدالة والتنمية، عندما كان في المعارضة، يعد بشأنها التقارير ويراسل مجلس الحسابات ومصالح وزارة الداخلية. وتتعلق أغلب هذه الملفات بقضايا الصفقات والتجزئات العقارية وقطاع النقل الحضري وتهيئة الطرقات، والإجهاز على المتنفسات الخضراء وبناء مشاريع مجهولة لفائدة الجماعة. ويشير المنتقدون إلى أن حزب العدالة والتنمية، بعد سنوات من المعارك والحروب مع العمدة السابق، حميد شباط، أعلن عن تحالفه معه وهو أمين عام لحزب الاستقلال، وطوى العمدة الأزمي كل الملفات التي كان يلوح بها إلى أجل آخر، رغم أنه يصرح، بين الفينة والأخرى، بأن المنتقدين يتلقون "الدعم" من قبل جهة تحرص على العودة إلى "العهد السابق للفساد".

وقبل هذا التصريح الغاضب بساعات (يوم الاثنين 10 شتنبر الجاري)، دخلت قيادات محلية لنقابة الاتحاد المغربي للشغل في مقرها المركزي بوسط المدينة، في "خلوة" دامت عدة ساعات لمناقشة "الاحتقان الكبير" الذي تعرفه المدينة، وانتهت بإصدار بلاغ أكدت فيه على أن ما آلت إليه الأوضاع بمدينة فاس جعلت العيش فيها يتأزم. وتحدثت نقابة المكتب الجهوي لنقابة الاتحاد المغربي للشغل عن "احتقان كبير بسبب ضيق العيش وارتفاع نسبة البطالة وقلة فرص الشغل وتراجع جمالية ورونق المرافق العامة". وذهبت النقابة إلى أن مسؤوليتها التاريخية تقتضي منها أن تؤكد على ضرورة "فتح حوار جاد ومسؤول مع إشراك الفرقاء الاجتماعيين"، وطالبت بضرورة وضع حد وبشكل مستعجل لظاهرة الإغلاق الملفت لبعض المعامل والوحدات الإنتاجية مما يكرس الهشاشة أكثر". داعية، من بين مطالب أخرى، إلى "وضع برامج واقعية وملموسة للحد من البطالة وفتح أوراش لتوفير الشغل والابتعاد عن أسلوب التسويف الممل".

أما في شبكات التواصل الاجتماعي، فقد تلقفت العشرات من الفعاليات المحلية التصريحات الغاضبة للعمدة الأزمي، والتي هدد فيها بإغلاق أفواه منتقديه، بكثير من الانتقادات، موردة أن العمدة الأزمي يتحدث عن مدينة أخرى عندما يؤكد على أن فاس "بخير"، في حين أن المدينة التي يعيشون فيها تعاني أحياؤها الشعبية من نقص حاد في التجهيزات، ويهدد الإفلاس ما تبقى من مناطقها الصناعية، ويتنامى فيها الإجرام بشكل مهول، وتعاني فيها الطرقات من تدهور كبير، وتعرف فيها الإنارة العمومية خصاصا يساعد على ارتفاع حالات الاعتداء، ويفرض على أحياء وتجمعات سكنية، بين الفينة والأخرى، العيش في الظلام، فيما دخل سوق الجملة للخضر والفواكه في أزمة غير مسبوقة، كما أغلق سوق الأسماك، واضطر التجار إلى بيع سلعهم بالقرب من الأزبال والمتلاشيات. ولم تشهد المدينة إحداث أي متنفس أخضر لفائدة سكان الأحياء الشعبية.

هذا ولم يتردد محمد أعراب، أحد الفعاليات الجمعوية المنتقدة لأداء المجلس، في دعوة العمدة إلى زيارة أزقة ودروب فاس العتيقة، حيث التجار والحرفيون يواجهون كسادا لم يسبق للمدينة القديمة أن عاشته، بسبب تراجع السياحة، وتدهور الأوضاع الاجتماعية للسكان. أما في منطقة المرينيين، وهي من المقاطعات ذات الكثافة السكانية الكبيرة التي حصد فيها حزب العدالة والتنمية أصواتا جعلته يتولى رئاستها بأغلبية مريحة، فإن بنياتها التحتية تعاني من تدهور مستمر.

وتزامنت هذه التصريحات مع تصوير مقاطع من "حديقة" تعتبر قبلة للسياح الأجانب لأنها تطل من الأعلى على المدينة. وأظهرت هذه المقاطع تحول "الحديقة" إلى ما يشبه "الصحراء القاحلة"، في ظل غياب الاهتمام.

ويتمسك العمدة الأزمي، بشكل غريب، بالإشادة بـ"إنجازاته" على رأس المجلس الجماعي للمدينة. فقد قال في تصريحات صحفية نقلتها عنه جريدة "ليوكونوميست"، إن "الأمور (في المدينة) بخير، ولا شيء بإمكانه أن يهدم عملها". وقال إن منتقديه لا يتعدى عددهم عشرين شخصا، وأرجع سبب انتقاداتهم إلى توقيف المجلس الجماعي لصنبور الرشوة، وهو ما يزعجهم ويدفعهم إلى الانخراط في الانتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي. ولم يكتف العمدة الأزمي بالقول إنه سيخرس أصوات هؤلاء المتقدين بالأرقام والإنجازات، ولكنه هدد باللجوء إلى القضاء، علاوة على انخراطه في مقاربة تواصلية جديدة لضمان الإشعاع لمشاريع المدينة، ابتداء من دورة أكتوبر القادم.

تنامي الانتقادات التي تحذر من سكتة قلبية تواجهها مدينة فاس، لم تغضب فقط العمدة الأزمي لوحده، ففي اليوم الذي كان مقررا أن يقدم فيه حصيلة مرور ثلاث سنوات على ترؤسه المجلس الجماعي (4 شتنبر الجاري)، اختلت الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بنفسها، وخرجت ببيان ناري لا يقل غضبا عن التصريحات الأخيرة لعمدة المدينة. وتحدثت القيادات المحلية لـ"البيجيدي" عن "موجة تيئيس وتبخيس وتضليل"، قالت إن "بعض الأقلام والمنابر المأجورة، في استهدافها المتكرر لتجربة حزبنا في تدبير الشأن العام المحلي بالعاصمة العلمية للمملكة". وكما هو الشأن بالنسبة للعمدة الأزمي، فقد عبرت الكتابة الإقليمية لحزب "المصباح" عن "اعتزازها بالتطور اللافت الذي تعرفه تجربة تدبير الشأن العام المحلي بمدينة فاس"، واعتبرت أن هذا "التطور اللافت" يرجع فيه الفضل إلى "تجند وتضحية منتخبي الحزب في خدمة الساكنة". وعبر حزب "المصباح" عن "جاهزية كافة هيئات الحزب بالإقليم لإسناد تجربة تدبير الشأن العام المحلي بفاس"، والتي أكد على أنه يقودها بـ"اقتدار"، مع "فضح أساليب التشويش والتبخيس التي تحاول تعطيل قطار الإصلاح بإقليم فاس"، يقول البلاغ الغاضب للكتابة الإقليمية لـ"البيجيدي".

وبين الغضبتين، خرجت أمال عاطفي، فاعلة جمعوية، عن المألوف في المدينة، حيث ارتدت قميصا حرصت من خلاله على أن تعلن عن "وفاة" المدينة، وتعزي المارة بعبارات واضحة مكتوبة بعناية، تقول: "البركة فروسكوم.. فاس مشات عند الله". وقالت إن الهدف من هذه الفكرة هو أن تعبر عن غضبها تجاه ما آلت إليه الأوضاع بالعاصمة العلمية. وخلافا لتصريحات العمدة الأزمي التي قال فيها إن الانتقادات مرتبطة بمجموعة أشخاص لا يتعدد عددهم 20 شخصا، ذهبت هذه الناشطة الجمعوية إلى أن سكان المدينة كلها غير راضين عن أداء المجلس الجماعي، ودعت المسؤولين المحليين إلى الإصغاء لنبض المجتمع لأن عددا من الفعاليات لديها مقترحات من شأنها أن تساهم في النهوض بالأوضاع. والمثير في تصريحات هذه الفاعلة الجمعوية قولها إن الواقفين وراء الاحتجاج بحمل الأقمصة تعرضوا للسب والقذف، وحتى لمحاولات الإرشاء.


إقرأ أيضا