نفس جديد للعلاقات المغربية المصرية - تيلي ماروك

علاقات المغربية المصرية نفس جديد للعلاقات المغربية المصرية

نفس جديد للعلاقات المغربية المصرية
  • 64x64
    Télé Maroc
    نشرت في : 07/04/2026

يمثل الموقف السياسي الإيجابي من مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية نقطة تحول بارزة في مسار العلاقات الثنائية، إذ لم يعد التعاون بين البلدين مقتصرا على الجوانب الاقتصادية أو الثقافية، بل امتد ليشمل القضايا الاستراتيجية ذات الحساسية العالية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، التي تشكل أحد ثوابت الدبلوماسية المغربية. كما يعكس هذا التطور مستوى الثقة السياسية المتبادلة، ويؤشر على رغبة القاهرة في الانخراط بشكل أوضح في دعم مواقف الرباط داخل المنتظم الدولي.

 

إرادة سياسية عليا تقود التحول

يأتي هذا التقارب في ظل إرادة سياسية قوية من قيادتي البلدين، محمد السادس وعبد الفتاح السيسي، اللذين عبرا في أكثر من مناسبة عن عزمهما تعزيز التعاون جنوب- جنوب، وتطوير الشراكة الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة ويواكب التحولات الإقليمية والدولية.

ويستند هذا التوجه إلى تاريخ طويل من العلاقات الأخوية التي تجمع الرباط والقاهرة، والتي تعززت خلال العقود الماضية عبر تنسيق سياسي مستمر وتعاون اقتصادي وثقافي متنوع، غير أن المرحلة الحالية تبدو أكثر طموحا، بالنظر إلى الرهانات الكبرى التي يواجهها البلدان، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي.

 

لجنة للتنسيق.. آلية لتجاوز اختلالات الماضي

في هذا الإطار، شكلت الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المغربية- المصرية محطة أساسية لإعادة هيكلة التعاون الثنائي، من خلال إحداث آلية مؤسساتية تتولى تتبع تنفيذ الاتفاقيات وتجاوز الإكراهات التقنية، التي حالت دون تفعيل عدد من المشاريع في السابق.

وشارك في هذه الاجتماعات وفد وزاري مغربي وازن، ضم وزراء بارزين من بينهم ناصر بوريطة ونادية فتاح ونزار بركة، إلى جانب محمد المهدي بنسعيد ورياض مزور، فضلا عن عدد من المسؤولين في مجالات الاستثمار والفلاحة والتجارة.

ويعكس هذا الحضور الوزاري متعدد القطاعات الطابع الشامل للتعاون المرتقب، والذي لا يقتصر على مجال بعينه، بل يشمل مختلف القطاعات الحيوية، من الصناعة والطاقة إلى الثقافة والشباب.

 

اختراق اقتصادي.. 16 اتفاقية لتكريس التكامل

على المستوى الاقتصادي، شكلت الزيارة فرصة لتوقيع 16 اتفاقية ومذكرة تفاهم قابلة للتنفيذ الفوري، همت مجالات استراتيجية من قبيل تحلية المياه، والصناعات المتقدمة، والقطاع البنكي، والفلاحة، واللوجستيك.

وتندرج هذه الاتفاقيات في إطار سعي البلدين إلى تعزيز التكامل الاقتصادي، خاصة في ظل اختلال واضح في الميزان التجاري، حيث تفوق الصادرات المصرية نحو المغرب بشكل كبير نظيرتها المغربية، ما استدعى اتخاذ إجراءات عملية لإعادة التوازن.

وفي هذا الصدد، اتفق الجانبان على إزالة الحواجز غير الجمركية التي تعيق ولوج المنتجات المغربية إلى السوق المصرية، خاصة في قطاعات السيارات والنسيج والإلكترونيات، إلى جانب تفعيل اتفاقية «أكادير» للتبادل الحر، وإحداث «خط ساخن» بين وزارتي التجارة، لتسوية أي عراقيل بشكل فوري.

وأكد عزيز أخنوش أن الهدف يتجاوز تحسين الأرقام التجارية، نحو بناء «سيادة اقتصادية مشتركة» في مجالات استراتيجية، مثل الأمن الغذائي والطاقة والماء، وهي قطاعات أصبحت تحظى بأولوية متزايدة في ظل الأزمات العالمية.

 

الاستثمار واللوجستيك.. رافعة جديدة للتعاون

من بين أبرز مخرجات هذه الدينامية، فتح آفاق جديدة للاستثمار المشترك، خاصة من خلال تشجيع الشركات المغربية على الولوج إلى السوق المصرية، سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تعد من أكبر المشاريع التنموية في المنطقة.

في المقابل، أبدت القاهرة استعدادها لتعزيز حضور الاستثمارات المصرية بالمغرب، خاصة في الأقاليم الجنوبية والمناطق الصناعية بكل من طنجة والقنيطرة، ما من شأنه خلق تكامل اقتصادي حقيقي بين البلدين.

كما تم الاتفاق على تعزيز الربط اللوجستيكي عبر إحداث خطوط بحرية مباشرة بين موانئ البلدين، بما يساهم في تقليص تكاليف النقل وتسريع المبادلات التجارية، وهو ما يشكل خطوة عملية نحو تحقيق اندماج اقتصادي أعمق.

 

تنسيق سياسي في سياق إقليمي معقد

على المستوى السياسي، أجرى ناصر بوريطة مباحثات مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أهمية تعزيز التنسيق والتشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية.

وشملت هذه المباحثات ملفات حساسة، من بينها القضية الفلسطينية، والتطورات في ليبيا والسودان، إضافة إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، حيث شدد الجانبان على ضرورة العمل المشترك للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

ويعكس هذا التنسيق تطابقا في الرؤى بين البلدين، خاصة في ما يتعلق بأهمية تعزيز العمل العربي والإفريقي المشترك لمواجهة التحديات الراهنة.

 

دبلوماسية قطاعية.. الثقافة والشباب في الواجهة

في موازاة هذه التحركات السياسية والاقتصادية، برزت دينامية لافتة على مستوى التعاون الثقافي والشبابي، قادها محمد المهدي بنسعيد، من خلال سلسلة لقاءات مع نظرائه المصريين.

فخلال اجتماعه مع جيهان زكي، تم التركيز على تفعيل آليات التعاون الثقافي، خاصة في مجالات ترميم التراث وتبادل الخبرات، وتعزيز الإنتاج السينمائي المشترك، بما يساهم في تعزيز الإشعاع الثقافي للبلدين.

كما شملت المباحثات تسهيل تنقل المهنيين في قطاع الثقافة والفنون، وتشجيع المشاركة في التظاهرات الكبرى، وهو ما يعكس توجها نحو بناء فضاء ثقافي مشترك.

وفي لقائه مع جوهر نبيل، وزير الشباب والرياضة المصري، تم بحث سبل تطوير العمل الشبابي، من خلال تبادل التجارب في تسيير مراكز الشباب ودعم المبادرات المقاولاتية، إلى جانب تعزيز الدبلوماسية الشبابية.

 

رهانات مستقبلية.. نحو شراكة متكاملة

تطرح هذه الدينامية المتجددة مجموعة من الرهانات المستقبلية، من بينها ضرورة ضمان التنفيذ الفعلي للاتفاقيات الموقعة، وتجاوز الإكراهات التي كانت تعيق التعاون في السابق، خاصة على المستوى التقني والإداري.

كما يبرز تحدي تحقيق توازن حقيقي في المبادلات التجارية، بما يضمن استفادة متبادلة من الفرص الاقتصادية، وتعزيز جاذبية الاستثمار في كلا البلدين.

وفي المقابل، تفتح هذه الشراكة آفاقا واعدة لتعزيز الحضور المشترك للمغرب ومصر في إفريقيا والعالم العربي، من خلال مشاريع مشتركة في مجالات البنية التحتية والطاقة والفلاحة.

 

شراكة واعدة نحو مستقبل أحسن  

تكشف التطورات الأخيرة أن العلاقات المغربية المصرية دخلت مرحلة جديدة عنوانها «الشراكة الاستراتيجية المتكاملة»، مدعومة بإرادة سياسية قوية وتوافق في الرؤى حول القضايا الإقليمية والدولية.

ويظل الدعم المصري الصريح للوحدة الترابية للمغرب أبرز مؤشر على هذا التحول، بما يحمله من دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة، تعزز موقع الرباط في ملف الصحراء.

وبين تعزيز التعاون الاقتصادي، وتكثيف التنسيق السياسي، وتطوير الشراكات القطاعية، يبدو أن الرباط والقاهرة بصدد بناء نموذج متقدم للتعاون العربي- الإفريقي، قادر على مواجهة التحديات وتحقيق تنمية مشتركة ومستدامة في السنوات المقبلة.


إقرأ أيضا