قصص أقدم السفاحين في تاريخ المغرب - تيلي ماروك

أقدم السفاحين - تاريخ المغرب قصص أقدم السفاحين في تاريخ المغرب

قصص أقدم السفاحين في تاريخ المغرب
  • 64x64
    تيلي ماروك
    نشرت في : 20/09/2020

أثارت قضية الشاب المتهم بقتل وهتك عرض الطفل عدنان بوشوف، المعروضة الآن أمام القضاء، ضجة في المغرب وخارجه، وأفرزت حملة تضامن واسعة في كل المدن المغربية. لكن هذه القضية ليست فريدة من نوعها في المغرب وفي العالم، إذ هزت البلاد منذ الحماية الفرنسية إلى اليوم قضايا لسفاحين مماثلين.

تعددت أشكال وأصناف وشخصيات المجرمين بتنوع طرق الإجهاز على الضحايا، منهم من كان يختار ضحاياه من الأطفال الأبرياء ومنهم من ركز على بائعات الهوى وربات المنازل، ومنهم من فضل كبار السن والعجائز. كل السفاحين يعشقون لون الدم، يقتلون الضحايا بالخنق أو بضربات بأدوات حادة وأخرى صلبة كل حسب خطته، لينتهي المطاف بالضحايا في المقابر والحفر أو حتى في قارعة الطريق.

يحتفظ تاريخ الجريمة بأسماء عدد كبير من السفاحين الذين ارتكبوا جرائم قتل بدوافع مختلفة كالسرقة والانتقام والاغتصاب والجنون أحيانا، وفي أرشيف المحاكم حالات لسفاحين فاقت شهرتهم الحدود، أشهرهم على الإطلاق ريا وسكينة، قبل أن يصبح لكل بلد سفاحه الذي يخلق الحدث ويزرع الرعب ويشد الانتباه ويعيد إلى سطح الأحداث جدوى حكم الإعدام، حتى أن سيرة السفاح أضحت مادة تستهوي الأدباء، يكفي أن الأديب العالمي نجيب محفوظ كتب قصة حياة سفاح مصري في روايته الشهيرة «اللص والكلاب»، وتم تجسيدها في فيلم سينمائي، على غرار كثير من الأفلام والمسرحيات المأخوذة من سجلات محاكم الجنايات.

في زمن بالأبيض والأسود، عاش بيننا سفاحون لا يقلون فتكا عن قتلة اليوم. في الملف الأسبوعي لـ«الأخبار»، نعيد النبش في قضايا لفها النسيان، ونتوقف عند «سفاحي زمان» الذين أدخلوا الرعب في المغاربة وأجبروهم على التزام بيوتهم قبل أن يسدل الليل ستائره.

الحاج المسفيوي.. أقدم قاتل تسلسلي في سجلات القضاء المغربي

شغل إسكافي بسيط يدعى المسفيوي نظر المراكشيين، وتحول إلى موضوع لكافة السكان في زمن كانت المدينة تتعرض لهجوم الجراد، وكانت التمردات القبلية تتحول ضد السلطان بسبب القوى الأوربية، وكان الناس يخافون من المجاعة. في ظل كل هاته الفوضى، كان إسكافي يرتكب جرائمه ضد النساء، ويشغل المراكشيين وحكام المدينة عن تمرد بوحمارة وحتى توصيات مؤتمر الجزيرة الخضراء.

عاشت مراكش حالة رعب بسبب اختفاء عدد من المراهقات سنة 1906، عجز الباشا عياش بن داود عن فك لغز الاختفاء وحصلت حالة استنفار في صفوف الشيوخ و«الكوم»، إلى أن اختفت شابة في مقتبل العمر، والتي حاول أقاربها فك اللغز دون الحاجة إلى سلطة مخزنية تتابع القضية بخجل.

قاد بحث أفراد العائلة إلى آخر من شوهدت الفتاة رفقته، والتي لم تكن إلا عجوزا سبعينية، عمد أهل المختفية إلى اختطافها وتعذيبها لتعترف بمشاركتها في جريمة اختطاف وقتل وتقطيع جثة الفتاة، بعدما تم سقيها كأس نبيذ به مخدر بدكان الحاج المسفيوي، والذي كان يعمل إسكافيا، ولكنه كان أيضا كاتبا عموميا يكتب الرسائل. بل أكثر من ذلك اعترفت العجوز الملقبة بـ«الرحالية» بمسؤولية الحاج المسفيوي عن عدد كبير من جرائم الاختطاف والقتل، التي عرفتها مراكش في تلك الفترة.

على الفور طرق شقيق الفتاة المختفية باب مكتب الباشا، وكشف له عن نتائج تحقيقه الذي أفضى إلى مدبر الجرائم.  

بعد تعريض الحاج محمد لشتى أنواع التعذيب سيعترف بالمنسوب إليه، وبقتله 36 فتاة وسيدة شابة، وهو ما تم وفقا لتصريحاته وتصريحات شريكته بغية السرقة، بحيث يعمد إلى إعطاء مشروب مخدر للضحايا، قبل قتلهن وتقطيع رؤوسهن ودفنهن. وهكذا تم العثور على 20 جثة مقطوعة الرأس في قعر بئر بدكان المسفيوي، و16 جثة الباقية بحديقة بيته المجاور للدكان.

لكن الكاتبة البريطانية سعيدة رواس، وهي من أصل مغربي، قدمت في كتابها «جامع الفنا» تفاصيل أخرى عن السفاح المغربي الذي يحمل صفة «الحاج». فضول الكاتبة حول قصة صانع الأحذية، وعمليات القتل التي دبرها في المدينة، دفعاها إلى السفر إلى المغرب. وقالت: «في البداية، اعتقدت أنها قصة خرافية ولا أساس لها من الصحة، ولكن عندما عدت إلى لندن في الصيف ذهبت إلى المكتبة البريطانية، وعثرت على مجموعة من الصحف التي تتحدث عن جرائم القتل التي شهدها المغرب عام 1906».

وإذا كانت الروايات تتحدث عن دور أسرة إحدى المختفيات في إظهار الحقيقة، فإن رواية سعيدة تتحدث عن محقق اسمه فاروق العلمي بعثه القصر من طنجة إلى مراكش للمشاركة في كشف خيوط جريمة السفاح، «أقام المحقق في فندق صغير، وتبين له أن القضية لا تختلف كثيرا عن ملف جاك السفاح البريطاني، لكنه لم يجد مساعدة من السكان الذين كانوا يستعجلون الوصول إلى الفاعل، علما أن المغرب لم يكن يملك جهاز شرطة وكان القاضي الشرعي هو من يباشر التحقيق.

اضطر فاروق إلى الاستعانة برجل يدعى يوسف المهدي كان ينتزع الاعترافات بالتعذيب، واستعان أيضا بطبيب فرنسي».

أمام غضب المراكشيين سيتم الحكم على الحاج محمد بحكم عرفي، يقضي بقتله صلبا، وهو ما ستتصدى له التمثيليات الدبلوماسية بالمغرب حينها، بدعوى همجيته المرفوضة، ليتم تعويض الموت صلبا بالموت شنقا، لكن المسفيوي سيدخل مسارا طويلا من التعذيب، من خلال تعريضه يوميا لحصص من الجلد القاسي أمام الملأ، والذي يختتم بعشر ضربات من عصا مسننة بمسامير تحول جسده إلى بقع من الدم. تعذيب سيبدع فيه الجلادون، والهدف إرضاء الغاضبين الحاضرين والذين كانوا يطالبون بالمزيد دائما، مسار انتهى بدفن المسفيوي حيا والبناء عليه واقفا.

نزوة جندي سفاح تشعل فتيل «ضربة ساليغان»

خلال فترة الحماية الفرنسية، تعرضت فطومة للاغتصاب الجماعي من طرف جنود ينتمون إلى دول إفريقيا الغربية، الواقعة تحت نير الاستعمار الفرنسي. كانت الفتاة في عز شبابها، ولم تخبر أحدا بالواقعة، قبل أن تعلم من إحدى السيدات القاطنات غير بعيد عن ثكنة عين البرجة بالدار البيضاء أن السفاحين المنضوين في الجيش المعروف بـ«عسكر ساليغان» لم يكونوا يترددون في اختطاف الفتيات وممارسة الجنس الجماعي عليهن، إلى أن تلقى قائد الحامية شكاية في الموضوع، بسبب اختفاء فتاة قيل إنها شوهدت وهي تستجدي جنديا تابعا للثكنة.

في كتاب «العلامة المغربي القاضي سيدي محمد بن إدريس العلوي.. قضايا في الفكر المعاصر» لصاحبه أحمد إيشرخان، إشارة إلى هذا النوع من القضايا الذي عرض على أنظار القاضي في منتصف الأربعينات، بل إن بعض جنود ساليغان ساهموا في حمل مغربيات.

نعود إلى فطومة التي فجرت قضية السفاح الذي انتهى به المطاف جثة هامدة، حيث قرر بعض الوطنيين بتر جهازه التناسلي ووضعه عند باب الثكنة، وهو الفعل الذي أفضى إلى ما بات يعرف بمذبحة «ساليغان» التي عرفها درب الكبير والمناطق المجاورة، بسبب نزوة مجند إفريقي.

 حين أنجبت فطومة ابنها من الاغتصاب تخلت عنه لأنه ليس ابن الحلال، ورفضت أن ترضعه حتى أنه عاش ضعيفا هزيلا. وكبر الطفل وجاء يبحث عن أمه وعثر عليها، وحين هاجر إلى فرنسا قدم شكواه للقيادة العسكرية الفرنسية، فمنحته فرنسا الجنسية الفرنسية، رغم أن المغتصب ليس فرنسي الجنسية بل كان مجندا في صفوفها.

وتقول بعض الروايات إن الجندي الغامبي الأصول كان يجبر ضحاياه على ممارسة الجنس مع الكلاب المدربة.

وفي نازلة مماثلة اعترف جندي فرنسي يدعى أندري بيرمو بجرائمه، وجرائم الجلادين السفاحين الفرنسيين والزنوج ضد المغربيات والجزائريات. 

بولكبود.. قصة قاتل انتهى به المطاف حارسا لمقاوم بسجن العادر

اسمه المدون في الحالة المدنية هو عمرو الجمراني، لكنه عرف بلقب «بولكبود». ولد في أحواز مراكش، وكان قوي البنية واشتغل جزارا في الأسواق الأسبوعية للمنطقة، قبل أن يستقر في المدينة العتيقة، وتحديدا في حومة الرحبة القديمة. بدأ الرجل حياته المهنية جزارا ينحر أضاحي علية القوم، قبل أن يستقل بذاته ويمتلك محلا للجزارة، حيث بدأ مساره بائعا للأحشاء قبل أن يوسع نشاطه.

يرجع تاريخ الإجرام لهذا السفاح التسلسلي إلى عام 1948، حيث شرع في استدراج الأطفال إلى محله بعد إغرائهم بالحلويات، وما أن يتمكن منهم حتى يفتك بهم ويعمد إلى تشريحهم ونزع القلوب والأكباد وجمعها في مكان محشو بالثلج.

تعددت الشكايات بعد أن ارتفع عدد الأطفال المختفين واستحضر أبناء مراكش قصة السفاح الحاج المسفيوي، كما تعددت الروايات حول سر جمعه لأكباد وقلوب الضحايا الصغار، إذ يروي أحد قدماء المعتقلين الذي جمعه ببولكبود سجن العادر ضواحي الجديدة، أن الجزار كان يبيع الأعضاء البشرية لسيدة فرنسية كانت تتردد عليه، فيما تقول رواية أخرى إن سيدة فرنسية كانت زوجة طبيب يقطن في المدينة القديمة، قد عثرت بمحض الصدفة على ظفر أصبع طفل في لحم مطحون اشترته من جزار الحومة.

وتضيف الرواية ذاتها، نقلا عن المعتقل السابق خالد قنبر، أن السيدة الفرنسية توجهت إلى مخفر الشرطة وعرضت على المحققين الأمنيين شكوكها، ولأن الشرطة كانت في طور البحث عن أطفال مختفين، فقد توجهت مسالك التحقيق صوب محل الجزارة.

من خلال بحث أولي في دائرة الشرطة عن الجزار المتهم، تبين أنه اسم معروف لدى المقدمين والشيوخ بتعاونه مع السلطات الفرنسية، وفي أول جلسة استنطاق حاول تغيير مجرى البحث واتهام بعض المقاومين بإدانته، لأنه في نظرهم خائن للوطن. لكن سرعان ما عثر المحققون على الجثث وسط أكوام من الثلج، وسقط بولكبود في يد العدالة.

بعد جلسات محاكمة أدين الجزار بالسجن المؤبد بسبب تهمة القتل العمد للأطفال مع سبق الإصرار والترصد، وصنف المجرم في خانة السفاحين، مع إحالته على السجن الفلاحي العادر. هناك سيعيش حياته الرتيبة، من سجين إلى سجان بدرجة «سارجان». وحسب السجين السابق الذي عاش معه فترة الاعتقال، فإن بولكبود كان يفتخر بصفته كسفاح وكخائن. بل إن إدارة السجن كلفته بإعداد مخطط قتل المقاوم المغربي حمان الفطواكي في السجن ذاته، والذي أجهز عليه صديقه الحطاب الذي انتهى بدوره جثة هامدة مباشرة بعد مغادرته السجن.

متشوق.. مجرم حبس أنفاس البيضاويين في السبعينات

عاشت مدينة الدار البيضاء في أواخر السبعينات رعبا حقيقيا، بعدما انتشر خبر سفاح العاصمة الاقتصادية المدعو مصطفى متشوق. الرجل الذي تحول إلى مرادف للقتل، سيما وأن نشاط إجرامه انحصر في مجال الطفولة.

تناسلت الأخبار المرتبطة بسفاح الدار البيضاء، وأصبحت الأسر البيضاوية تحكم رقابتها على الأبناء والبنات وتصر على مرافقتهم إلى المدارس، بل منهم من نال عطلة استثنائية إلى حين انتهاء شبح متشوق، أما الترخيص للأطفال باللعب فأصبح من سابع المستحيلات، لوجود شخص يتربص بالأبرياء ويعمل على تدبير مخططات جهنمية لخطفهم واغتصابهم ثم قتلهم في أبشع الصور، دون أن تتمكن السلطات الأمنية من القبض على هذا السفاح.

كان متشوق يكسب ثقة الأطفال عن طريق إيهامهم بتدبير عمل لهم، وأحيانا يقدم لهم عرضا سرعان ما يرتمون فيه، وحين يسقطون في شباكه يعتقلهم ويطالب أولياء أمورهم بفدية مالية، لكنه غالبا ما ينال الفدية ويجهز على الضحايا، حيث كان يرمي أغلبهم في بئر مهجورة بضواحي سيدي عبد الرحمان قرب البحر. جعل هذا السفاح الأرق يفتك بالمسؤولين الأمنيين في العاصمة الاقتصادية، بل وأصبح انفلاته مثل الزئبق من دوريات الأمن صك اتهام ضدهم، فتولدت الإشاعات، ورسمت له المخيلة الشعبية بطولات مستفزة للمشاعر.

كان يترصد ضحاياه ويختارهم بعناية، كما كان يضع مخططاته بعناية أيضا، حتى أنه كان يرافق ضحاياه قبل الإجهاز عليهم إلى محل للتصوير، ويأخذ لهم صورا يرسلها إلى عائلاتهم. أما طريقة القتل فكانت تتم بالأسلوب نفسه «الخنق بواسطة ربطة عنق».

تقول بعض الروايات إن المحكمة الإقليمية بمكناس سبق أن حكمت في الرابع من شهر مارس من سنة 1975، على مصطفى متشوق بالإعدام غيابيا، فيما كان هو قد رسم المعالم الأولى لإرهاب آخر في الدار البيضاء. وفي أحد أيام نونبر 1978، عثر على جثة طفل قبل أن تظهر مشاهد مماثلة في أماكن أخرى من المدينة، قبل أن يوضع كمين أطاح بالسفاح.

انطلقت محاكمة متشوق بالقاعة الأولى بالمحكمة الإقليمية بالدار البيضاء، وسط حضور جماهيري كثيف وإنزال أمني كبير. بدا السفاح المعتقل بالسجن المدني بالدار البيضاء تحت عدد 69.998، والرئيس ينادي عليه، رابط الجأش، ذكيا ومراوغا. وفي مساء يوم الجمعة 24 فبراير 1978، أصدرت غرفة الجنايات التابعة لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، حكمها في قضية «ارتكاب جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد في حق أبرياء وقاصرين، تكوين عصابة مجرمين، ارتكاب اختطافات مع نيل فديات مالية، قتل القاصرين المختطفين، محاولة قتل شرطي ورجل تابع للقوات المساعدة، السرقة الموصوفة، استعمال السلاح، المس بعرض قاصرين بالعنف، إخفاء الجثث»، ونطق القاضي مستور بحكم الإعدام.

الإعدام يوم عيد الأضحى لقاتل تحت التمرين

تبين، بعد وضع السلطات الأمنية للدار البيضاء اليد على السفاح مصطفى متشوق، وجود شريك اسمه بوشعيب الزيناني الذي أكدت الوقائع مشاركته في العمليات التي كان يقوم بها زميله مصطفى، كما أن محاضر الضابطة القضائية أكدت استفادته من عائدات الفديات التي قدمها بعض الآباء.

عكس مصطفى، فقد كانت علامات الانهيار وعدم استيعاب ما يحدث، بادية خلال محاكمة المعتقل بوشعيب الذي كان يحمل الرقم التسلسلي 69.999، في السجن المدني للدار البيضاء. قبل صدور الحكم، دل متشوق رجال الأمن على شريكه وكشفا معا المزيد من غزواتهما ضد الطفولة، وقادا المحققين إلى مخابئ في غاية البشاعة.

في جلسة المحاكمة أكد الزيناني أن الدافع لامتهان هذا الرعب، يرجع لاستلهام الفكرة من فيلم شاهداه سويا في أوائل سنة 1977، بسينما المامونية بالدار البيضاء، «كانت أحداثه تتناول قصة اختطاف ابن ضابط شرطة من طرف عصابة مختصة في تهريب المخدرات، لإرغامه على إطلاق سراح زملائهم المعتقلين». لكن محاضر الشرطة تؤكد وجود سوابق قضائية للمتهمين في مجال السرقة والضرب والجرح، وأن متشوق كان نزيلا سابقا بسجن العادر بالجديدة، قبل أن يشرع في اختطاف الأطفال وسلب حاجياتهم ليطور عمله نحو الأفظع.

دفاع الطرف المدني كان قد تقدم بمطالب مدنية شفوية، في محاكمة صاخبة عرفت حشدا كبيرا من المتتبعين، حددت في سنتيم رمزي لفائدة كل من والد الطفل عبد الرحيم صابر وكفيلة الطفل محمد شدادي، لكن الحكم كان حاسما. انتهت المسيرة الإجرامية لهذا الثنائي المرعب في فبراير 1978، لينهار بوشعيب الزيناني بعد النطق بالحكم، فيما ظل مصطفى متشوق صامدا ولم يصدر عنه أي رد فعل، وكأن الأمر لا يعنيه. في يوم عيد الأضحى، اقتيد السفاح ومساعده إلى ساحة الإعدام ونفذ الحكم قبل أن يتصاعد في الفضاء دخان العيد. لكن أهالي الضحايا لم يسعدوا لحكم الإعدام وتوقيته، ولم ينعموا بالعيد، حيث طالبوا بقتل السفاحين بالطريقة ذاتها المستفزة للمشاعر التي قتلا بها ضحاياهما.

شرطي أزمور.. حامي الأطفال يهتك أعراضهم تحت التهديد

 من سوء حظ شرطي أزمور الذي كان يمارس الجنس بالإكراه على أحد تلاميذ داخلية ثانوية أم الربيع، أن فعله هذا تزامن مع فضيحة الكوميسير ثابت، والذي انتهى به الأمر إلى منصة الإعدام. لذلك كان من نصيب هذا الشرطي الحكم بالمؤبد، رغم أن النيابة العامة طالبت وقتها بالحكم بالإعدام.

أصل الحكاية أن هذا الشرطي الذي كان حديث العهد بهذه المهنة، والذي ينحدر من حي الحفرة الشهير والموجود بضاحية المدينة، ظل يتربص بالضحية الذي كان يتابع دراسته بإعدادية مولاي بوشعيب ويقطن بداخلية ثانوية أم الربيع، المتاخمة لمقبرة المدينة. تربص به ودعاه إلى إحدى الدور التي كان يكتريها. وهناك هتك عرضه وهدده بالقتل، إذا هو أسر لأصدقائه بما حدث.

ستتطور العلاقة بين الطرفين وسيختار الشرطي هذه المرة استئجار شريط فيديو جنسي، ويفرض على الطفل الضحية مشاهدته برفقته لكي يمارسا الجنس على طريقة الفيديو، وبعدما أحس الضحية بالقهر خرج لكي يفضح المستور.

وقف المحققون على معطيات صادمة، وتبين أن الشرطي يمارس شذوذه تحت التهديد بالسلاح، وأن العديد من الأطفال امتنعوا عن الحضور إلى المدرسة بسببه، كما تبين أنه ظل يكتري تلك الأشرطة من بعض أصحاب المحلات المتخصصة في ذلك. وكانت المفاجأة هي اعتقال مستشار جماعي كان يملك محلا للتصوير، ومصور وبائعة كاسيط رفقة زوجها، لتتابعهم النيابة العامة بتهم بيع أشرطة مخلة بالحياء والتصوير، خصوصا وأن الضحية الرئيسي اعترف لدى الأمن بأن الشرطي كان يقوم بتصويره أثناء الممارسة الجنسية، لابتزازه وتهديده بنشر تلك الصور إن هو خرج للعلن وقرر فضح المستور.

صدر الحكم في حق الشرطي، ونطق به القاضي الشعيبي سنة 1993 في قضية عرفت بقضية شرطي أزمور، الذي كان قد عمد إلى استدراج قاصرين وبعد تصفيدهم يشبع فيهم نزواته الجنسية ويقوم بتصويرهم في أوضاع مخلة بالحياء، وصادفت هذه القضية متابعة الرأي العام لقضية كوميسير البيضاء الحاج ثابت الذي كان يغتصب النساء ويقوم بتصويرهن، وصدر حكم الإعدام على شرطي أزمور في غمرة هزة أخلاقية لم يشهد لها المجتمع المغربي مثيلا، وحين نطق الشعيبي بكلمة إعدام في الساعة الرابعة من صباح أحد أيام 1993 سقط شرطي أزمور مغمى عليه، ونقل إلى سجن القنيطرة، وبعد سنوات تقرر في حقه السجن المؤبد، لكنه سيصاب بمرض عضال حين كان يقضي عقوبته السجنية، قبل أن يتوفى في السجن في بحر سنة 2018.

سفاح مديونة.. تصفية وتنكيل بالمقربين أولى

في نهاية الثمانينات عاش أمن سيدي عثمان ليلة بيضاء، بعد أن عثرت الشرطة القضائية على صيد ثمين، بحيث لعبت الصدف دورا حاسما في سقوط سفاح مبحوث عنه في قبضتها، وحين أحيل عبد العزيز التجاري على المحكمة لم يراوح مكانه إلا بعد مرور أربع سنوات، ليتم النطق بحكم الإعدام في حق سفاح مديونة الذي حير المنطقة، وبسبب اتساع رقعة نشاطه تم تغيير العديد من المسؤولين الأمنيين.

اعترف الجاني عبد العزيز، وهو من مواليد سنة 1951 بمديونة، وتحديدا في جماعة المجاطية، بجرائمه ودل رجال الأمن على مكان دفن الضحايا بعد ثلاثين عاما على تصفيتهم، لكنه أنكر معرفته بجرائم أخرى غامضة كانت قد قيدت ضد مجهول، إذ اعترف بقتله للضحية خليل ورمي جثته في بئر مهجورة توجد وسط محل تجاري لا تتجاوز مساحته مترا ونصف المتر، واعترف أيضا بتزويره الوكالة المذكورة وتزويره كذلك عقد شرائه لأرض البئر الجديد من عند عمه. وهي الاعترافات التي قادت إلى اعتقال موظف بمقاطعة الفداء وميكانيكي وشخص آخر. وأفاد المتهم بأنه قتل عمه بدافع الحصول على أرضه، ولما فطن ابن خالته إلى أمره وهدده بفضحه إن لم يرضخ لمطالبه المالية، قتله أيضا وألقى بجثته في بئر. أما بائع الفول فقد قتله، بعدما رفض مغادرة المنزل الذي كان يقطن فيه بدوار بلعربي، في حين لم يفصح عن الأسباب الحقيقية التي جعلته يجهز على حارس المقبرة وزوجته، اللذين ذبحهما من الوريد إلى الوريد، رغم أن كل المؤشرات تؤكد أن حارس المقبرة شاهده وهو يهم بدفن أحد ضحاياه في قبر قديم، كما قام بتصفية نادلة كانت تشتغل في مقهاه بسبب نزوة عابرة.

جرائم سفاح مديونة كشفت عن وجه آخر من المجرمين الذين يعمدون إلى القتل بالتسلسل، فقد اختار أن يبدأ بأقربائه ممن يملكون العقارات، وتخصص في القتل والدفن، وبعد ذلك مواساة أسر الضحايا، والظهور بمظهر البريء الذي يتقاسم مع العائلة الأفراح والأحزان.

أول مؤشرات السلوك الإجرامي ظهرت في نهاية السبعينات، حين تقدم عزيز لخطبة ابنة عمته، لكن الفتاة رفضته، فثارت ثائرته ولم يهدأ له بال إلا بعدما شوه سمعتها مع زوجها. لكنه سرعان ما سيتزوج بأستاذة في حي سباتة، إلا أنه ظل يتربص بعقارات أفراد عائلته، فكان أول فرد من أعمامه استهل به مشواره في عمليات النصب والاحتيال هو عمه قاسم التجاري، الذي اختفى في ظروف غامضة منذ سنة 1980، وظل مصيره مجهولا، حتى وإن كانت عدة مصادر تشير إلى قتله من طرف السفاح، ودليلها على ذلك أن السفاح استولى على أملاكه المقدرة بحوالي ثلاثة هكتارات، ودفعا للشبهات اتهم عمته بقتل شقيقها الذي هو عمه الذي قام بتصفيته ودفن جثته تحت المقهى، وكان ضحيته الثاني ابن خالته، ليواصل سلسلة الضحايا الذين حرص على حضور حفلات تأبينهم.


إقرأ أيضا