سجناء تزوجوا من معتقلات وزائرات ونزيلات خرجن من السجن فوق العمارية - تيلي ماروك

سجناء - معتقلات - زائرات - نزيلات - السجن - العمارية سجناء تزوجوا من معتقلات وزائرات ونزيلات خرجن من السجن فوق العمارية

سجناء تزوجوا من معتقلات وزائرات ونزيلات خرجن من السجن فوق العمارية
  • 64x64
    الأخبار
    نشرت في : 23/12/2019

ليس السجن مجرد حرمان من حرية السير والجولان، وليس مجرد مصادرة لتحركات متهمين صدرت في حقهم أحكام بضبط حركاتهم وسكناتهم، بل هو فضاء يتمرد على القيود ويصر على أن يتنفس هواء الحرية بالحب والعشق.

حين فكر القائمون على المؤسسات السجنية في الجانب الإصلاحي، اهتدوا إلى التكوين والتعليم كأداة للاندماج، في ما ظلت العلاقات الإنسانية في منأى عن كل المقاربات الإصلاحية، قبل أن تبسط المواثيق الحقوقية يدها على السجناء وتمكنهم من التمتع بهامش أكبر للحرية الفردية بالخصوص، خاصة الحق في الحب.

من الصعب على السجين دخول عالم الزوجية والارتباط بفتاة أحلامه، دون أن تطارده تهمة «خريج معتقل»، لكن هناك حالات تمردت على هذه القاعدة الجاهزة، وأصرت على الزواج ليس فقط من سجين أنهى للتو رحلة الاعتقال، بل بسجين ما زال يقبع خلف القضبان، وتصبح القضية أكثر إثارة حين يبرم سجين عقد زواج رسمي بحضور مأذون شرعي داخل المؤسسة السجنية، وتقرأ الفاتحة وتنطلق من سجن النساء زغرودة مشفوعة بالصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

رغم أن المشرع يمنح للسجين المتزوج حق الخلوة الشرعية، إلا أن تنزيلها على أرض الواقع يطرح أكثر من إشكالية، سيما أمام عدم توفر أماكن صالحة للمعاشرة الزوجية تحفظ كرامة وخصوصية الزوجين، لذا يظل السجين محروما من الحياة المدنية بما فيها حقه كزوج، بل إن الشريعة الإسلامية أجازت الخلوة واعتبرتها حقا للمسجون، باعتبار أن العقوبة لا يجب أن تتعدى الجاني إلى زوجته، والعكس صحيح.

في هذا الملف، نسلط الضوء على زيجات تمت في معتقلات المملكة، من خلال نماذج أصرت على الحق في الزواج حتى ولو كان العريس أو العروس يحمل رقم اعتقال.

زواج سجناء الحق العام من معتقلات وزائرات

في عالم السجون يتبادل السجناء همومهم ويتعرفون عن حياتهم الخاصة يكشفون عن أسرارهم، وفي الزيارة الأسبوعية يتعرفون على أهالي زملائهم.

في شهر ماي من عام 2007، نظمت إدارة سجن أيت ملول حفل زفاف غير مسبوق في تاريخ السجون المغربية، حيث شهدت قاعة العروض حفل زواج سجين بسجينة، محكوم على كل منهما بمدة سجنية طويلة الأمد، بسبب جناية القتل العمد في واقعتين مختلفتين.

كان العريس (ع. م) وهو من مواليد مدينة مراكش يقضى عقوبة سجنية مدتها 15 عاما بتهمة محاولة قتل شرطي، قضى منها أربع سنوات، أما العروس (ز.أ) وهي من مواليد الصويرة فتم تنقيلها من سجن عكاشة إلى أيت ملول في العام نفسه، حيث تقضي عقوبة المؤبد بمعية شقيقها وشخص آخر، بسبب جناية القتل العمد وسبق الإصرار والترصد. وكانت قد قضت من هذه العقوبة تسع سنوات وستة أشهر.

وعلى الرغم من ثقل الجرم المرتكب، إلا أن إدارة السجن لبت رغبة السجينين في حقهما في الزواج، ونظمت حفل زفاف على الطريقة المغربية: تنظيم موكب الهدايا من خارج أسوار السجن حفل حناء، تزيين العروس، عمارية وغيرها من الطقوس، حفل غنائي، مأدبة عشاء على شرف المدعوين، وبحضور عائلتي العريسين، والسلطات القضائية بأكادير وإنزكان والسلطات العمومية والمنتخبين ووسائل الإعلام والمدعوين وبعدما تم في وقت سابق، إجراء مراسيم عقد القران في 30 أبريل 2007، داخل السجن، بحضور عدلين وعائلتي السجينين. هذا ونظم الحفل، من قبل إدارة السجن المحلي، وبتنسيق مع جمعية المرأة المندمجة «تيتريت»، بناء على موافقة الإدارة المركزية على طلب السجينين وعائلتهما بإقامة العرس بسجن أيت ملول.

قال العريس: «أنا سعيد بهذا الحدث، أما زواجي بالزهراء فقد كان عبر اتصال بين عائلتينا، مما شجعني على طلب يدها وعقد القران بسجن أيت ملول»، أما العروس فظلت تردد عبارة: «الله يطلق سراحنا».

في سنة 2005 وقع سجين بمعتقل آسفي في حب فتاة كانت تزور أخاها الذي يقضي عقوبة بالسجن نفسه. صارح السجين المغرم شقيق فتاة أحلامه ذات يوم وهما يتجولان في فسحة المؤسسة، معبرا عن نيته الزواج من أخته. وبعد أن أحيطت الفتاة علما برغبة شريك شقيقها في الزنزانة، عبرت عن موافقتها وكشفت عن وجود بذور حب يسكنها تجاه سجين الحق العام، ولم تبال بمعارضة أسرتها وقالت إنها لن تتزوج بغيره.

نظمت السلطات المغربية وجمعيات تعنى بحقوق السجين أول حفل زفاف من نوعه داخل أسوار السجن بين سجين وامرأة تتمتع بكامل حريتها، حين تزوج السجين بالزائرة التي تعرف عليها خلال الزيارة عن طريق أخيها. وهناك تجربة مماثلة كان سجن بني ملال مسرحا لها، بزواج زائر بسجينة لكنها فشلت.

أما الحالة الثالثة فوقعت بالسجن المركزي بالقنيطرة، حين تزوج سجين محكوم بالإعدام بزائرة، ومن ثمة كان للمبادرة وقع كبير على السجينات، حيث تزين وحضرن لمباركة زفاف زميلهن.

السرفاتي وكريستين.. زواج في السجن للضرورة النضالية

كشفت كرستين دور السرفاتي، قبل وفاتها بالعاصمة الفرنسية باريس، لإحدى القنوات الفرنسية، عن تجربتها داخل سجون المغرب ومراكزه الأمنية، وتحدثت عن حياة معتقلي سجن تازمامارت الرهيب، إذ يعود لها الفضل إلى جانب مناضلين آخرين في تسليط الضوء على هذا المعتقل من خلال كتاب «تازمامارت سجن ملك»، والدور الذي لعبته في الكشف عن مظاهر الاعتقال السياسي في المغرب خلال سنوات الرصاص، ومعاناتها في المعتقل السري لدرب مولاي الشريف.

بدأت أولى خيوط علاقة السرفاتي بكريستين، حين أسس في بداية الستينات تنظيم «إلى الأمام» الماركسي اللينيني، وما أعقبه من اعتقال ابتداء من سنة 1974 لمدة، حيث قضى 17 سنة في الدار البيضاء والقنيطرة. لكن علاقتها بالمغرب ترجع لستينات القرن الماضي، حيث عينت مدرسة للتاريخ والجغرافيا في ثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء، التي كانت تحمل اسم «ليسي ليوطي» قبل ترحيلها، وكانت تستغل الحصص الدراسية لتلقن التلاميذ دروسا في السياسة، خاصة في مجال حقوق الإنسان، وهو ما أغضب مدير الثانوية الذي لفت نظرها مرارا لهذا الانفلات البيداغوجي دون جدوى، لكنها كانت تسعى إلى تقوية الوعي السياسي للتلاميذ.

اضطرت مواقفها إلى التماس الطلاق من زوجها الأول، الذي كان يشترك معها في مهنة التدريس بنفس المؤسسة التعليمية، خاصة بعدما أصبحت رفيقة أبراهام السرفاتي، الذي دعته إلى الاختباء في منزلها بدرب غلف لمدة طويلة هروبا من مطاردة المخبرين، قبل أن تهتدي الشرطة إلى المخبأ السري سنة 1974، وتعتقل السرفاتي وعشيقته، وهو ما زاد من تعلق كريستين بالمناضل الشيوعي، إذ عقدا قرانهما سنة 1990 وهو حينها في السجن، ويبدو أن هذا الزواج قد مكن الزوجة من زيارة زوجها في السجن، بعد أن منعت من هذا الحق حين كانت مجرد مناضلة، لكن بعد سنة واحدة تم الإفراج عن الزوج السجين، وقرر أن يعيش رفقة ديور شهر العسل في باريس، بعد قرار وزارة الداخلية.

لم تعر ديور كثيرا من الاهتمام للجانب الديني، إذ ينحدر السرفاتي من أسرة يهودية مغربية كانت تقيم في مدينة طنجة، وتعود جذورها إلى اليهود الذين طردوا من الأندلس عام 1492 واستقروا بالمغرب، بل اهتمت أكثر بالجانب النضالي للرجل الذي بدأ مسيرته السياسية منذ بدايات استقلال المغرب في صفوف الحزب الشيوعي المغربي، وتولى إدارة مكتب اليساري الراحل عبد الرحيم بوعبيد في بداية الستينات، عندما كان هذا الأخير وزيرا للاقتصاد، وهو مهندس في مجال الطاقة ومن أوائل الكفاءات المغربية في ميدان استخراج المناجم.

مكالمة هاتفية تدفع بطلا سجينا لإعلان ارتباطه بمعجبة

في عيد ميلاده الثلاثين، أصدرت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالرباط حكمها على العداء المغربي السابق هشام بوعويش بالسجن مدة 30 سنة، وأداء تعويض مدني لفائدة عائلة الضحية الدركي الفرنسي، لورون سولير، قدره 600 ألف درهم.

أدان الوكيل العام للملك البطل بوعويش بتهمة جناية القتل وجناية السرقة الموصوفة ومحاولة السرقة والمساهمة فيها. وركز الادعاء في مرافعاته على ثبوت أركان جريمة قتل الدركي الفرنسي، في سانت اسبري بضواحي مدينة نيم جنوب فرنسا، في 21 دجنبر 2000 لوجود قرائن الإدانة والحجج، منها حيازة بوعويش لسلاح ناري كان يخفيه داخل سيارته على حد تصريح مطلقته كريمة، التي أدلت بشهادتها في إطار الإنابة القضائية صحبة ثلاثة أشخاص، شاهد اثنان منهما الواقعة، وهم لخضر بلحاج ورشيد لعميرشي.

كانت شهادة كريمة طليقة هشام كافية لطردها من قلبه بشكل نهائي، بعد أن ظلت عالقة به منذ أن تقدم لخطبتها من والدها المغترب بالديار الفرنسية، لذا آمن البطل المغربي الذي كان ينتمي إلى الحرس الملكي أن قصة جديدة ستبدأ في السجن المركزي للقنيطرة.

بدأت أولى خيوط علاقته بزوجته الثانية من السجن المركزي، حين حكى لإحدى المحطات الإذاعية نكبته على الأثير، وروى في برنامج مسائي قصة اتهامه بالسطو على مؤسسة للتأمين ومطاردته من طرف رجال الدرك، وكيف اتهم بإطلاق الرصاص على دركي يدعى سولير أرداه قتيلا، ونفى هشام ما قيل حول هروبه خارج التراب الفرنسي. وطعن في الادعاء بأن تحليلات الحمض النووي للأقنعة التي وجدت في مكان الجريمة تعود لبوعويش، كما أن أجزاء من قميصه ظلت عالقة بسياج موجود في مكان الجريمة، علاوة على أن تربة الأرض التي ارتكبت بها الجريمة بقيت ملتصقة بحذائه الرياضي الذي كان ينتعله، وقال إن هذه الأدلة واهية ولا تكفي لإدانته بـ30 سنة سجنا، سيما في ظل إنكاره المستمر أمام الضابطة القضائية وقاضي التحقيق وهيئة المحكمة.

ذات مساء حاول بوعويش الاتصال هاتفيا بشقيقه في ضواحي الخميسات، لكن في الطرف الآخر كان صوت نسائي رقيق يرد على السائل ويؤكد حصول خطأ في الترقيم، إلا أن الحكاية لم تقف عند هذا الحد، إذ تعددت المكالمات الهاتفية بين (ه.م) والمعتقل هشام، دون أن تعلم بأن محدثها يوجد رهن الاعتقال، وحين تعذر اللقاء بين الطرفين قرر بوعويش الكشف عن الحقيقة وإزاحة القناع، الذي ارتداه منذ أن بدأت علاقته بمكالمة هاتفية خاطئة تحولت إلى اتصال أصاب قلبيهما.

وخلافا لما كان منتظرا فقد تعاطفت الفتاة مع قضية العداء الدولي، وقررت ربط علاقة به متحدية القضبان والأسلاك الشائكة التي تفصلهما، خاصة بعد أن تعرفت على تفاصيل القضية في الصحف والمجلات، بل إنها شرعت في زيارته بين الفينة والأخرى محملة بقفة السجين، قاطعة المسافة الفاصلة بين سلا والقنيطرة دون كلل.

فاتحت الفتاة والديها في موضوع بوعويش، والتمست من والديها السماح لها بالزواج منه، وعلى الرغم من حالة الاستغراب التي جثمت على الأسرة، إلا أنها قررت مجاراتها في عشقها الممنوع ومساندتها في حملتها الرامية إلى البحث عن براءة هشام من تهمة القتل، لغياب حالة التلبس والمحجوزات ولتناقض تصريحات الشهود في هذه النازلة، وظلت تتأبط الملف وتؤكد بأن الشهود لم يكونوا محايدين «ألصقوا التهمة بموكلها ظلما وعدوانا ولتضارب تصريحاتهم، ولسوابق أحدهم وهو رشيد لعميرشي، المسجل كعنصر خطر لدى الدوائر الأمنية الفرنسية، بل يوجد تحت المراقبة القضائية، ولكون التشريح الطبي الذي عاين كيفية إطلاق النار يختلف عن الكيفية التي نسبت لموكلها»، وناشدت هيئة المحكمة الأخذ بعين الاعتبار ماضي العداء المغربي.

تقدم هشام بطلب لإدارة السجن بتمكينه من الزواج بعشيقته، وهو ما تأتى له بحضور مأذون وبعض أفراد عائلتي العروسين وإداريين من السجن المركزي، وتم تمكينه من الخلوة الشرعية، قبل أن تساهم طول مدة الاعتقال في نفاد صبر الزوجين وانتهاء العلاقة التي بدأت بمكالمة منفلتة.

الآن يواصل البطل المغربي حياته الرتيبة خلف القضبان بسجن تيفلت، يقضي أوقاته في كتابة ملتمسات إلى الملك أملا في عفو يمكنه من استنشاق هواء الحرية.

الروائي والدبلوماسي عبد القادر الشاوي يعيش قصة حب في الزنزانة

في رصده لعبور «عبد القادر الشاوي من سجن القنيطرة إلى ربوع بابلو نيرودا»، يروي الكاتب محمود عبد الغني حكاية عبد القادر المعتقل السياسي السابق الذي سبق أن عين سفيرا في الشيلي، وهو الذي صدر في حقه حكم بثلاثة عقود سجنا، لكنه غادر المعتقل بعد انتهاء نصف مدة الاعتقال. عانى الشاوي وهو خلف القضبان من المرض وقاومه بشراسة، بعد أن تحالف عليه ألم السجن وألم الداء.

كان الشاوي يبعث بمخطوطاتها إلى الناشر من بعيد، من خلف قضبان سجنه الرهيب بالقنيطرة. وقد كان لبرادة الدور الأكبر في نشرها. وإمعانا في تأكيد مركزية الذات والذاكرة، كتب الشاوي سيرته الذاتية وحكايته مع السجن تحت عنوان «كان وأخواتها»، وهي السيرة التي صودرت من طرف السلطات.

غادر الشاوي السجن وانضم إلى الفريق الصحفي لجريدة «الاتحاد الاشتراكي»، وتحديدا بمكتب الرباط، هناك في العاصمة كان يملك شقة صغيرة، لطالما تحولت إلى غرفة مريض حينما يداهمه المرض ويغيبه عن رفاق دربه، قبل أن يكتشف بعد إجراء تحليلات طبية إصابته بداء بغيظ.

على الرغم من قساوة الاعتقال ارتبطت ليلى الشافعي بعبد القادر الشاوي، كانت هذه الصحافية والكاتبة مصرة على دخول التجربة بالرغم من وعورة تضاريسها، على الرغم من غضبها تجاه روايات رصدت علاقتها بزوجها خلال فترة مرضه، خاصة في «من قال أنا».

انتفضت ليلى وقالت: «إنها صورة سيئة عن زوجته، التي كنتها أنا. لست أنا تلك المرأة الشرسة والأنانية كما تم تقديمها. لا علاقة للشخصية بالواقع، لقد صوروني على أني شخصية هستيرية ومتجبرة ومتسلطة وامرأة عذبت الشاوي وهو على فراش المرض. والحقيقة غير هذا تماما. كل معارفنا وأصدقائنا المشتركين، يعرفون تمام المعرفة كيف رعيته بنكران للذات. لقد بت معه في المصحة 15 ليلة أراعيه وأهتم به وألبي أدق احتياجاته وأستقبل زواره».  

تزوجت ليلى بالشاوي وعاشت منه أصعب اللحظات في حياته، ورافقته في رحلة الاعتقال والمرض، قبل أن ينفصلا ويمشي كل إلى غايته، حيث اختارت ليلى الصحافة من خلال «لاماب»، بينما فضل عبد القادر المسار الدبلوماسي والروائي.

«عزيزي جمال».. قصة حب بين حقوقي وحقوقية

كانت «جويس إدلين» في زيارة حقوقية إلى المغرب، حيث تحملت صعوبة المساطر الإدارية والتقت جمال كسجين يجمعه بها الانتماء إلى منظمة «أمنستي» الحقوقية. ومن يومها تقوت بينهما المراسلات إلى أن خططت معه لتهريبه إلى خارج المغرب، بالضبط إلى بريطانيا ليبدأ الاثنان هناك حياة جديدة، ويحصل على الجنسية البريطانية.

كان جمال بنعمر قد غادر السجن سنة 1983، ولم يكن يعرف أنه سيعود إليه بعد سنة ليلتقي حب حياته. وهكذا كانت الزيارة الأولى لـ«إدلين» إلى المغرب سنة 1984، موعدا مع «الزلزال العاطفي» الذي سيجعلها تتعلق بجمال بنعمر الذي كان وقتها لا يخرج من السجن إلا ليعود إليه، بعد مضايقات كثيرة له ولأصدقائه الذين لم يكونوا ليخفوا توجهاتهم اليسارية المرفوضة في ذلك الوقت.

أعجبت اللندنية إذن بجمال بنعمر، واستمرت المراسلات بينهما طيلة السنة، خصوصا وأنه ناضل كثيرا لتمكينه من حقه في استقبال الرسائل داخل السجن وإرسالها، وهكذا كان التواصل بينهما قائما.

لكن ما لم تكن إدارة السجن تعرفه، أن «جويس» كانت تضع لجمال بنعمر، بين السطور، تلميحات تشجعه على ضرورة الهرب من السجن، ووعدته أن تتدبر له طريقة للخروج من المغرب حتى يجتمعا في لندن. وهكذا كان، فقد استطاع جمال بنعمر، شأنه شأن الكثير من الطلبة الجامعيين وشباب السبعينات والثمانينات، أن يتدبر طريقة للهرب، ليفر إلى خارج المغرب، ومنها واصل رحلته إلى لندن، ليجتمع شملهما أخيرا. وهكذا لم تكن سنة 1985 لتلقي بظلالها على العالم، حتى كانت «جويس» تحمل صفة أخرى.

عاشا في لندن إلى أن حلت سنة 1991، ليكون عليهما أن يفكرا جديا في الهجرة نحو الولايات المتحدة الأمريكية لبدء حياة جديدة هناك، أكثر أريحية بحثا عن آفاق جديدة، خصوصا وأن الولايات المتحدة وقتها كانت مهدا لمنظمات حقوقية كبيرة، وكان على جمال بنعمر أن يؤسس بنفسه، بمعية زوجته، حياة مهنية جديدة في المجال الحقوقي والدفاع عن حقوق الإنسان.

أصدرت «جويس» كتابا سنة 1996، بعنوان «عزيزي جمال»، روت فيه تجربتها مع جمال بنعمر وقصة الحب الجارف والنظرة الأولى التي كانت من وراء القضبان، والنضال الحقوقي الذي جمعهما معا تحت إطار منظمة «أمنستي»، وتخطيطهما للقاء في لندن لبدء حياة جديدة معا.

بفضل زوجته «جويس» تبوأ جمال بنعمر أعلى المناصب الحقوقية في الولايات المتحدة الأمريكية وسرعان ما أصبح محاضرا في جامعة جورجيا، ثم مقربا من الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» كمستشار حقوقي، ورئيسا أيضا لتمثيليات حقوقية في الولايات المتحدة الأمريكية لها علاقة مباشرة بحقوق الإنسان. وهكذا تراكمت التجارب لدى جمال بنعمر، الذي كان يحمل أيضا الجنسية البريطانية بحكم زواجه من «جويس».

مغربيات في عصمة متطرفين خلف القضبان

في سجن سلا ثلاث مغربيات معتقلات تتراوح أعمارهن ما بين 19 و24 سنة، على خلفية محاولة الانضمام إلى حريم الدولة الإسلامية في العراق والشام. إحداهن تزوجت عرفيا بالمعتقل أبو آسية المغربي، الذي حاول الهجرة إلى سوريا مع طفلتيه من زوجة فرنسية، وهو المتهم الذي وصف بـ«الصيد الثمين» عقب اعتقاله.

توجد المعتقلات الثلاث في ملف الهجرة إلى سوريا بسجن الزاكي سلا 1، حيث ما زلن ينتظرن البت في ملفاتهن، على غرار مجموعة من معتقلي «داعش»، أبرزهن أميمة الجناتي، التي اعتقلت بعد محاولتها السفر مع زوجها زواجا عرفيا، إلى سوريا ومعهما طفلتاه من زوجته الفرنسية.

 أما فتيحة المجاطي، المرأة الأكثر إزعاجا للأمن العالمي، فقد خصص لها الكاتب الصحفي الفرنسي ديفيد طومسون، في كتابه «العائدون» جزءا كبيرا منه لفتيحة «أم آدم»، أحد الأسماء الأكثر شعبية بين الجهاديين المغاربة في «داعش»، خاصة في حياتها الزوجية.

قال الكاتب إن فتيحة المجاطي تشرف على «دار الضيافة» منذ سنة 2014. وهي البيت الرئيسي الذي يأوي النساء العازبات، والأرامل والمطلقات من نساء «داعش»، إلى حين تزويجهن. يصف ديفيد طومسون، المجاطي بأنها «امرأة جد مخيفة، مثقفة ومفرنسة بشكل جيد».

لم تستنفر أم آدم المخابرات الفرنسية والسعودية والمغربية فقط، بل شغلت جهاز الأنتربول بكل عناصره المهتمة بالشأن الجهادي، فهي أرملة عضو تنظيم القاعدة كريم المجاطي، والمرأة التي تصنفها اللائحة السوداء للخارجية الأمريكية كأخطر امرأة والمطلوبة رقم واحد ضمن النساء الأكثر عداء للسياسة الأمريكية، واللواتي يشكلن تهديدا مستمرا على الأمن القومي الأمريكي والعالمي حتى بتواجدها حاليا بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وزواجها من أحد القياديين المقربين من البغدادي، الزعيم السابق لتنظيم «داعش».

مجاهد وبوعياش.. لقاء في عين البرجة وطلاق في الرباط

 ولد يونس مجاهد وترعرع بأحياء المدينة القديمة لتطوان. عرف طريقه نحو عالم النضال والالتزام السياسي مبكرا، لما كان في الثامنة عشرة من عمره، بحيث تشبع بالفكر الماركسي الذي كان مسيطرا في تلك الفترة على وجدان الحركة الطلابية، وانضم سنة 1974 إلى فصيل «إلى الأمام». 

حين كان يونس يستعد لاجتياز الباكالوريا طوقه رفاقه بمسؤوليات حولته إلى مسؤول عن الحركة داخل المؤسسة، ومنها إلى القطاع التلاميذي، إذ أضحى متأبطا لملفاته المطلبية، منشغلا بتوزيع المنشورات على التلاميذ، كما يبدأ النقابيون مسارهم النضالي.

بمجرد انتقاله إلى جامعة محمد الخامس بالرباط لمتابعة دراسته الجامعية، أصبح الفتى أكثر ارتباطا بالتنظيم المحظور، مما تسبب في اعتقاله رفقة طلبة آخرين في يناير 1976 واقتياده إلى محاكمة الدار البيضاء في فبراير1977، في ما عرف آنذاك بقضية السرفاتي ومن معه، حيث حكم عليه بعشر سنوات، إضافة إلى سنتين «لإهانة القضاء»، أو على الأصح إهانة القاضي أفزاز.

خلال وجوده في سجن عين البرجة بالدار البيضاء فقد يونس والده، حينها ظهرت على الصورة فتاة تطوانية اسمها أمينة بوعياش، كانت تتردد على السجن باعتبارها خطيبته، قبل أن يضعا «الأسود على الأبيض». في المزار كان فيض المشاعر يقلص حجم معاناة السجين يونس، وبفضل زياراتها ورسائلها «تكيف يونس مع الظروف القاسية للسجن، وأدرك أن المقاومة في الظروف الجديدة تعني رفض أساليب الإذلال والتحطيم النفسي عبر فرض ظروف اعتقال لا إنسانية، فكان يونس حاضرا في كل إضرابات المعتقلين السياسيين عن الطعام. ولتكون له فرصة لأن يواكب الحياة من جديد في يوم ما، كان يونس حريصا على الرياضة وعلى لعب كرة القدم وعلى سجاله القوي من أجل نصرة ريال مدريد»، يقول أحد رفاق دربه.

«كانت أمينة تمده بروايات إيميل زولا وهمنغواي وشتا ينبك وحنا مينا وعبد الرحمان منيف»، على حد قول معتقل سابق من التنظيم نفسه، وكانت تقرأها قبل أن تضعها في قفة المعتقل، لذا صعدت ابنة تطوان إلى هرم مجموعة من المنظمات الحقوقية، وحين سئلت عن سر اختيارها مجال حقوق الإنسان، قالت: «انخرطت في المجال الحقوقي، في البداية، لأسباب عائلية وشخصية، منها اعتقال زوجي السابق سنة 1976، لأسباب سياسية، وانخراطي في حركة عائلات المعتقلين السياسيين».

قصص نزيلات غادرن مراكز الحماية فوق هودج زفاف

أنهت إدارة مركز حماية الطفولة للبنات بعمالة الفداء مرس السلطان حالة القلق التي سيطرت على النزيلة سهام، التي كانت مهددة بمغادرة المؤسسة الإصلاحية بعد أن تجاوزت سن 18 عاما، وفق ما ينص عليه القانون الداخلي.

اهتدت إدارة المؤسسة بتنسيق مع الهيئة القضائية المكلفة بهذه الفئة، وبتنسيق مع مديرية الشباب والرياضة وجمعيات المجتمع المدني إلى الإدماج عبر الزواج، وهو ما تطلب وقتا طويلا قبل أن تتكلل الجهود بالنجاح، وتعثر الفتاة على فارس أحلامها الذي قبل الانخراط في هذا العمل واختار شريكة حياته من داخل أسوار مركز لحماية الطفولة.

لم يكن العريس غريبا عن خلية التفكير في الإدماج، فهو قريب أحد المحامين، وله إصرار على دخول التجربة وبناء بيت للزوجية مع فتاة، آمنت بأن الزواج سبيل للإدماج، وأن قبول الزوج وأسرته هذا الخيار هو خطوة جريئة لبناء عش الزوجية على أسس سليمة.

لعبت القاضية عزيزة البستاني دورا كبيرا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بتنسيق شبه يومي مع أسماء الواجني، مديرة المركز، وسميرة البقالي، رئيسة جمعية مفتاح وحلول، والمدير الإقليمي للشباب والرياضة بعمالة مقاطعات الفداء مرس السلطان، وبعض المحسنين الذين دعموا المشروع الاندماجي وترجموا تطبيقه على أرض الواقع بنفس الطقوس الاحتفالية لأعراس الأشخاص الآخرين، بل إن حضور ممثلين عن الهيئة القضائية إلى الحفل ساهم في إنجاحه وإشعاعه وجعل الحلم يتراقص أمام باقي النزيلات اللواتي باركن لزميلتهن الزواج السعيد.

وحسب إدارة المركز فإن زواج سهام هو الخامس في تاريخ المؤسسة، التي نجحت في «تزويج» أربع نزيلات سابقا، وظلت تحرص على مواكبة حياتهن بعد الزواج، من خلال خلية الإدماج الاجتماعي. بينما تقول رئيسة جمعية مفتاح وحلول إن العملية تطلبت تضافر الجهود وإنها استغرقت وقتا طويلا، أما المدير الجهوي للشباب فيحيي عامل عمالة الفداء مرس السلطان على إصراره على تبني قضايا هذه الفئة، بمباركته الحفل وحضوره إلى جميع مراحل الإعداد.

شكل زواج نزيلات دور الحماية الاجتماعية جزءا من منظومة الإدماج، واعتبره المسؤولون عن القطاع خطوة لإدماج اجتماعي حقيقي ينهي حياة ويدشن لحياة جديدة خارج أسوار المؤسسة الإصلاحية.

في كثير من المواقف تنوب مديرة المؤسسة أو العاملون فيها عن النزيلة، فيبحثون لها عن زوج، يكون بمثابة فرصة العمر للانعتاق من عالم تحكمه ضوابط النهي والمنع والحرية المشروطة. لكن كثيرا من الفتيات يرفضن تفويض أمر زواجهن لمسؤول إداري، ويفضلن البحث الذاتي عن العريس المنتظر، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي يمنح لهن فرصة الإبحار عبر الشبكة العنكبوتية بحثا عن عريس افتراضي.


إقرأ أيضا